فهرس الكتاب

الصفحة 13337 من 27364

ويتعلق بـ (حرية الاعتقاد) مسألة المرتد عن الإسلام: ففي حين أن الإسلام لا يعاقب من لم يدخل فيه ابتداء، كما أنه لا يُكره أحداً على اعتناقه والدخول فيه، {لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] ، {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] ، {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6] ، كما لا يمنع ولا يعاقب من انتقل من دين إلى آخر أو من مذهب عقدي في هذه الأديان (التي تعيش في ظله) إلى آخر - وفي ذلك خلاف فقهي ضعيف -.. نجد أنه في الوقت نفسه يمنع و (يعاقب) من ينتقل منه إلى غيره، ولا ينفع في هذا المقام محاولات بعض المتكلفين إبراز آراء فقهية شاذة تنفي عقوبة القتل عن المرتد، بغية التطابق مع المفهوم الغربي لـ (حرية الاعتقاد) لأن التهديد والوعيد الأخروي الثابت في القرآن {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] يأبى إضفاء شرعية هذه الصفة (حرية الاعتقاد) لهذه الفعلة (الردة عن الإسلام) في المجتمع المسلم، وبحسب المفهوم الليبرالي الذي يتمحلون في موافقته؛ فإن ذلك الوعيد يعد ترهيباً معنويّاً لا يتفق مع الدعوة إلى حرية الاعتقاد.

ونستطيع فهم موقف الإسلام من المرتد عنه، في ضوء أن ذلك الانتقال عنه يعد طعناً في القيمة العليا والأساس التي يقوم عليها المجتمع، أو بعبارة أخرى: إنه يعد ذلك إعلاناً بالطعن في صحة هذا الدين، أو في عدم حاجة الإنسان إليه، وذلك غير مقبول في مجتمع يستمد شرعيته ومرجعيته بالأساس من اعتقاد صحة هذا الدين ومن الحاجة إليه.

ولا يقتصر (التضييق) على (حرية التعبير) على أهل الكتاب والمرتدين فقط، بل يشمل كل متطاول وطاعن في ثوابت المجتمع ومقدساته، سواء أكان منتسباً إلى الإسلام أم غير منتسب، بل إن ذلك الطعن من سمات (الإمامة في الكفر) كما في قوله ـ تعالى ـ: {وَإن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} [التوبة: 12] ، وبالطبع فإن بعض المنتسبين إلى المنظومة الغربية قد يعدون الطعن في الدين (حرية إبداع) و (حرية رأي) و (حرية تعبير) .

ولكننا نرى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يعتدَّ بـ (إبداع) ولا (حرية تعبير) اليهودي كعب بن الأشرف عندما شن حملة إعلامية (شعرية) هجا فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآذاه، كما لم يأبه القرآن الكريم ولا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا مجتمع الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بـ (حرية الرأي) عندما أبدى بعض المنافقين - في سياق التهكم والسخرية بدعوى التسلية واللعب - رأيهم في (قرَّاء) الصحابة (أي: فقهاؤهم وعُبَّادهم) بأنهم أرغب بطوناً وأكذب ألسنة وأجبن عند اللقاء (1) ، وهو ما عده القرآن استهزاءً بالله وآياته ورسوله، استلزم أن يكون كفراً بعد إيمان لا يقبل فيه الاعتذار باللعب؛ فما بالنا بمن يهزأ صراحة ويعلن جديته في ذلك؟

وهنا نقطة يرددها كثيرون بدعوى أنها دليل على السماح بحرية الرأي المتضمن لنشر آراء كفرية في المجتمع الإسلامي... حيث يدعي بعض الكتاب أنه في مسألة مثل مسألة التعرض إلى الذات الإلهية وإنكار وجودها ابتداءً، نجد أن القرآن الكريم أورد وحفظ ما يصعب حصره من دعاوى غير المسلمين وآرائهم ومقولاتهم واتهاماتهم أياً كانوا في هذا الباب.

هذا الكلام وأمثاله يحمل في طياته خلطاً كبيراً بين مفهوم (حرية التعبير) الذي يستدلون له، ومفهوم (الحوار والجدل) الذي وردت في سياقه الآيات والآراء والمقولات التي أشاروا إليها. والحقيقة أن بين المفهومين فرقاً كبيراً؛ فحرية التعبير تقتضي ترك صاحب الرأي يعرض وجهة نظره وحججه بدون أي تعقيب أو تعليق مباشر، وقد لا يوجد تعقيب بالمرة، وهذا ما لم يحدث في القرآن ولا في غيره من المرجعيات الإسلامية؛ بينما الحوار والجدل عملية إلقاء حجة على حجة ورأي على رأي لإظهار الحق؛ ففي هذا المقام نلحظ أن إيراد القرآن لأقوال أهل الشرك والكفر لم يكن بقوة الحق الممنوح لهم (حرية التعبير) ، بل كان بقوة الفعل الذي صدر منهم وأصبح واقعاً لا يمكن تجاهله، فأوردها في محاورات ومجادلات غاية في الدقة والأمانة والرقي، ونلحظ أيضاً أن (الحوار والمجادلة) بهذه الصورة يعد من أوسع الممارسات الفكرية في الحقل الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت