فهرس الكتاب

الصفحة 13413 من 27364

بل إن الكاتب ينتقد ما يرى من غضب إسلامي ، ويرى أن ردة الفعل قد تجاوزت الحد ، وأن تناول الحدث خارج عن حدود الطبيعة ، وأن الأمر لم يكن يستحق هذا الغليان الحاصل ، ويستدل لذلك -وانظر لحسن الاستدلال!- بقصة وقف عليها حسب أنها تخدمه فساقها ليبين لنا عن حقيقة العقل المركب في جسمه ، فيقول:

(هناك تناول غير طبيعي للازمة، يتجاوز حتى ما جرى في التاريخ الاسلامي، ومن قبل اجيال الاسلام الاولى.

وهنا احب ان اضرب هذا المثال، واسوق هذا الخبر:

روى المحدث الحاكم النيسابوري في مستدركه عن هشام بن العاص قال: بعثت انا ورجل الى هرقل صاحب الروم ندعوه للاسلام، (في زمن خلافة ابي بكر الصديق) ، وذكر قصة طويلة ملخصها انهم دخلوا على ملك الروم ومجلسه وبطارقته، وقال عن الملك هرقل: «أََمر لَنا بمنزل حسن، ونزل كثير، فأقمنا ثلاثا، فأرسل الينا ليلا فدخلنا عليه فاستعاد قولنا فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار، عليها ابواب، ففتح بيتا وقفلا، فاستخرج حريرة سوداء، فنشرناها فإذا فيها صورة حمراء، واذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الاليتين، لم ار مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ظفيرتان احسن ما خلق الله، فقال أتعرفون هذا؟ قلنا لا، قال: هذا ادم عليه السلام، ثم فتح بابا اخر فاستخرج منه حريرة سوداء، واذا فيها صورة بيضاء، واذا له شعر كشعر القطط، احمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال هذا نوح عليه السلام» .

وهكذا مضى في وصف مثير لصور الانبياء واحدا واحدا ، بناء على صورهم في المناديل الحريرية، قال هشام: «ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فيها صورة بيضاء، وإذا شاب شديد سواد اللحية، كثير الشعر حسن العينين حسن الوجه، فقال هل تعرفون هذا؟ قلنا لا، قال هذا عيسى بن مريم عليه السلام، قلنا من اين لك هذه الصور، لأنا نعلم انها على ما صورت عليه الانبياء عليهم السلام، لأنا رأينا صورة نبينا عليه السلام مثله» ، يقول هشام: «فلما أتينا ابا بكر الصديق رضي الله عنه فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا، بكى ابو بكر» . يقول المفسر ابن كثير الدمشقي بعد ذكره لهذا الاثر العظيم: «اسناده لا بأس به» .

ثم اورد اثرا اخر رواه الطبراني عن الصحابي جبير بن مطعم انه قال: خرجت تاجرا الى الشام، قال فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من اهل الكتاب، فقال هل عندكم رجل نبي، قلت نعم، قال هل تعرف صورته اذا رأيتها، قلت نعم، فأدخلني بيتا فيه صور، فلم ار صورة النبي صلى الله عليه وسلم ، فبينا انا كذلك، اذ دخل رجل منهم علينا، فقال فيم انتم، فأخبرناه، فذهب بنا، الى منزله، فساعة ما دخلت نظرت الى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ».

ماذا لو ان هذه الصور والرسولمات وجدت في عصرنا؟! هل ستسيل شوارع بيشاور، حنقا، ونيجيريا نارا؟!)

وسقت الكلام بطوله هنا ليعرف الإنسان حقيقة الرجل ، وأن الهوى هو المحرك للاستشهاد والنقل ، وأن القوم مستميتون في المدافعة عن الغرب وتثبيط الأمة ولو بالاستشهادات الخارجة عن حد الصواب والمنطق ، وليت شعري أي سؤال هذا الذي يعقب به على القصص المتقدمة: (ماذا لو ان هذه الصور والرسولمات وجدت في عصرنا؟! هل ستسيل شوارع بيشاور، حنقا، ونيجيريا نارا؟!) .

والأمر بين وواضح لا يحتاج إلى علامة استفهام ولا تعجب ، إذ الفرق شاسع بين ما سقته هنا -يا فهيم!- وما ابتلينا به ، إن ما حصل ووقع اليوم ليس مجرد تصوير -يا فهيم!- للنبي الكريم ، مع اعتقادنا حرمته لتحريم صلى الله عليه وسلم له ، وإنما الذي حصل عبارة عن كاريكاتيرات! وصور ساخرة! فأين هذا من هذا ، وهل يصح أن تقاس ردة الفعل هنا على ردة الفعل هناك ، إن ما وقع في حق صلى الله عليه وسلم ليس مجرد تصوير ، بل ما وقع استهزاء ، وسخرية ، وسب له بأبي هو وأمي فأين يُذهب بكم؟ ودعني أقلب السؤال: لو قدر أن هذه صور الاستهزاء الآثمة هذه ظهرت في عصر من تقدم من سلفنا فكيف ستكون الحال ، وكيف ستكون الهبة؟! أحسب أن الجواب واضح وبين ، وفي قصة فتح عمورية عظة وعبرة ، والغريب أن الكاتب يعلم أن استدلاله غير مستقيم ، ويعرف بطلان هذا الاستشهاد ، وأنه قياس مع الفارق ، فيقول:

(أعرف أن الشكل السخيف الذي خرجت به الصور والرسولم الدنماركية التي تحمل طابعا ساخرا، هو منبع النقمة الاسلامية، ولكن أردت القول، أن هناك خروجا عن المألوف في تناول هذه المسألة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت