فالشاهد في ذلك أن النصارى - و بالذات البروتستانت - يشاركون اليهود في هذه العقائد التي تهدف إلى اتخاذ القدس عاصمة أبدية موحدة للدولة اليهودية ,حتى يأتي زمان المسيح ويكون الهيكل قائماً مهيئا له في هذه العاصمة , وهذا يحل لنا إشكالا كبيرا في تفسير هذا التعاون غير المحدود بين اليهود والنصارى في كل مراحل الصراع مع العرب والمسلمين مع أن كل مصالحهم عندنا وليست عند اليهود . فبريطانيا التي انتعش فيها المذهب البروتستانتي هي بالذات التي حملت المشروع الصهيوني ورتبت له وخططت له ونفذته ومكنت اليهود من احتلال أرض فلسطين بعد أن احتلتها هي بنفسها لمدة 30سنة ,حتى إذا ما تهيأت هذه الأرض لليهود وتمكنوا فيها وأقاموا فيها الميليشيات العسكرية والمزارع والمصانع أذنت لهم بأن يعلنوا دولتهم , لتنسحب هي بجيوشها لكي يقيم اليهود دولتهم ويعلنوها مباشرة , ثم جاءت الولايات المتحدة الأمريكية بعدها لتستسلم هذه الراية , راية حمل اليهود , ولتكون بمثابة الحبل الثاني البشري الذي يُمد لهم كما قال الله عز وجل: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) (آل عمران: من الآية112) ، فحبل الناس الأول كان هو حبل الإنجليز والآن هو حبل الأمريكان, نسأل الله عز وجل أن يقطع هذين الحبلين ليعود اليهود إلى ما كانوا عليه من ذلة.
هل تعتقد أن كثيراً من المفكرين والموجهين الإسلاميين قد فقدوا البوصلة في زمن العولمة والإعلام , بحيث باتوا في حيرة من الأولوية المطلوبة مع مستجدات الأحداث السياسية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية؟
التعبير بفقد البوصلة , تعبير كبير, ولا نظن أن هذه الأمة الخيرية تفقد البوصلة أبدا ً, لأن الخير فيها _ كما أخبر صلى الله عليه وسلم _ إلى يوم القيامة , لكن بطبيعة الحال فالأمة تعيش في ظروف استثنائية منذ ما يزيد عن مائة عام , فمنذ أن مرضت الدولة العثمانية ثم سقطت والمسلمون يعيشون دون قيادة عالمية سياسية موحدة ولا قيادة شرعية عالمية موحدة ,أيضاً فبالتالي هذا أمر طبيعي أن تختلف الاجتهادات وتختلف التصورات في طريقة التعامل مع النوازل المتتابعة والمتكاثرة في هذا الظرف الاستثنائي الطويل , لكن مع ذلك نقول: إن الأمة لأنها أمة خير ، وخير أمة أُخرجت للناس ، قد أثبتت خيريتها من خلال قيامها بتوزيع أكثر فروض الكفاية التي كان ينبغي أن تقوم بها الدولة الإسلامية العالمية , قُسِّمت هذه الفروض الكفائية على فصائل العمل الإسلامي بمجموعها , فمنها ما يقوم بشأن العلم والتعليم والتربية الإسلامية , ومنها ما يقوم بالعمل الخيري و الإغاثي ,ومنها ما يقوم بالعمل الجهادي أو السياسي ,في ظل غياب أدوار الحكومات في أكثر بلدان العالم الإسلامي في خدمه الدين. وهذا سر بقاء هذه الأمة للآن , وإلا فإن فشدة ما يلاقيه أهل الإسلام من التحديات ومن العداوات المتعددة كان كافيا لأن يندثر الكثير من معالم هذه الأمة , لكننا نرى العكس يحدث , إذ إن معالم الدين تتجدد , والأمة تُقبل على العودة إلى الدين بخلاف ما كان يظن الأعداء , فالقول بأن الإسلاميين فقدوا البوصلة هذا , تعبير فيه - حقيقة ً- مبالغة , ونحن لا نريد أن نغمط الناس حقهم , ولا أن نجلد ذواتنا .
ربما كانت الأمة بحاجة إلى آليات جديدة للنهضة , لكن هل ترضون عن هذا الكم المتزايد من مواقع الإنترنت والبرامج الدعوية و اللجان والمؤتمرات المعقودة بكثرة , بمعنى آخر هل تخشون من تحول الوسيلة إلى غاية ؟
كل هذه البرامج أو المواقع أو المؤتمرات المعقودة أو الأنشطة الإسلامية بوجه عام , لا نستطيع أن نقول إن كثرتها غير مطلوبة فالكثرة مطلوبة لسبب وهو: أن واقع المسلمين فيه ما يستدعي بذل كل مستطاع من الجهود , لكن في النهاية التجربة تثبت أن النشاط الأقوى والنشاط الأصح والأكثر فائدة هو الذي يبقى , وهذه الكثرة الزائدة - إذا كانت زائدة بالفعل - فإنها تزول بطبيعة الأشياء (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) (الرعد: من الآية17) ، بالعكس الساحة الإسلامية تستوعب المزيد من الأنشطة وتستوعب المزيد من أوجه العمل الإسلامي في المجالات الدعوية والإعلامية والبحثية وغيرها , بل قد يقال في بعض الأحيان إننا لم نصل بعد إلى المستوى المطلوب من حيث الكم ولا الكيف , وقد يكون الكم طريقا لترسيب الكيف المنشود .
ما الذي يمكن لمراكز الدراسات الإسلامية أن تقدمه للأمة في ظل غياب دوائر لصنع القرارات الإسلامية التي تستمع إلى توصياتها, أم هل تعول تلك المراكز على صنع النخب فقط ؟