و التقيد الرسمي ينطبق عليه هذا القول أيضاً , وكذلك الإقليمي , فالتجمعات العلمية أو حتى الدعوية إذا كانت محصورة في قوالب رسمية أو حزبية أو إقليمية , فإنها تخدم في داخل قالبها المحدود فقط , لكننا نطمح إلى تجمع علمي دعوي عالمي يمثل مجموع المسلمين وفصائل الإسلاميين في العالم الإسلامي , وفي مقدمتهم العلماء والدعاة الممثلين لمنهج أهل السنة والجماعة ,فهؤلاء أولى من الرافضة وغيرهم من المبتدعة في تمثيل وتوجيه وقيادة الأمة علميا و عمليا , ودعني أقول لك: إن أعداء الأمة أنفسهم أصبحوا يوقنون أن أصحاب التوجه الممثل لأهل السنة والجماعة , يتحولون بانتظام إلى تمثيل الطليعة في الأمة , وقد خبر هؤلاء ذلك في أصقاع مختلفة من العالم الإسلامي ,وآخرها العراق , حتى أصبح هناك ما يشبه الترادف بين الإسلام وأهل السنة عندهم وبخاصة أصحاب التوجه السلفي , ولذلك تلاحظ أن جل الحرب العالمية على ما يسمى بالإرهاب في جانبها التعليمي والإعلامي والخيري , هي موجهة إلى المنهج السلفي وحملته قبل غيرهم , حتى إنه ليستعان عليهم بالمنحرفين في الأمة من علمانيين ورافضة وصوفية وغيرهم . ومع ذلك فإنني لاأقصد إلى تزكية أشخاص ولا جماعات بعينها على غيرها , ولكن أقصد تزكية منهج وتزكية معتقد أوقن ويوقن الجميع بمن فيهم الأعداء , أنه يمثل الإسلام الصحيح , وهو معتقد أهل السنة والجماعة الذي يحمله أصحاب التوجه السلفي ويدعون الأمة كلها للالتزمة به , و مع ذلك أيضا فإنني لا أميل إلى الاستمرار في استعمال وصف (السلفيين) لمن يحملون هذا المنهج ويدافعون عنه , بل أفضل الاقتصار على وصف أهل السنة والجماعة وحسب , لأسباب متعددة , منها: أنه الوصف الشرعي المستخدم عند السلف أنفسهم , والموافق لألفاظ النصوص الشرعية التي تصف الفرقة الناجية , ومنها: أن وصف ( السلفية ) حاولت بعض الشرائح احتكاره بلا حق ولا موجب , وحاولت تحت مسماه أن تشق الصفوف وتفرق الكلمة وتتعالى على الآخرين , ومنها: أن وصف (أهل السنة والجماعة ) هو الأكثر قبولا للانضباط العلمي والمنهجي , لأن أصول أهل السنة مستقرة , ولا يسهل إدخال ما ليس منها فيها ولا يسهل انتحالها من غيرأهلها , ومنها: أن انتعاش فرق الضلال في عصرنا , وانبعاثها بأصولها وأسمائها , يستدعي وضوحا في التفريق بين فرق الضلال بمجموعها والفرقة الناجية التي استقرت بأصولها واسمها , ومنها: أن أهل السنة أنفسهم شرائح وفصائل متنوعة , فمنهم العلماء وطلاب العلم , ومنهم العامة والبسطاء , ومنهم الطائعون والعصاة , ولايمكن اختزال هؤلاء جميعا في شريحة واحدة , وقطاع واحد وهو القطاع المعني بالعلم الشرعي , مع جمهوره من محبي العلم الشرعي , وهم ليسوا من أهله في الغالب ولا من طلابه بالمعنى الصحيح , وأخيرا , فإن وصف أهل السنة والجماعة هو الوعاء الأوسع والأرحب , الذي يستوعب ضم شرائح الإسلاميين جميعا تحت مسماه , وهو ما يعين على تحقيق فريضة الاعتصام بحبل الله التي يتشوق الصادقون ويتشوفون إلى بذل المستطاع في أدائها أو الوصول الى تطبيقها . باختصار فإن مشروع تجمع أو رابطة الدعاة والعلماء , ليس مجرد فكرة - في فهمي - بل هي شرعة , واجبة التنفيذ لتحقيق الاعتصام وتوحيد الكلمة على كلمة التوحيد , والأحداث تثبت أن المسلمين في حاجة إلى هذا الأمر لأن التحديات تتوالى والنوازل تكثر , وكل هذه الأمور تحتاج إلى التقريب بين المسلمين على كلمة سواء من كتاب ومن سنة رسول ا صلى الله عليه وسلم , دون حزبيات ولا رسميات ولا عنصريات محلية أو إقليمية .
[1] نقله لصيد الفوائد محمد جلال القصاص