هل يمكن إعتبار ما وقع في معرض الرياض الدولي للكتاب زلة أو خطاءً غير مقصود ؟ وهل يعد المعرض إستثنائية في التجاوز لم يسبق لها مثيل ؟ إن المتأمل بعمق لما يجري في ساحتنا الفكرية والثقافية يرى أن المعرض حلقة في سلسلة - يروم أصحابها تغريب البلد والتفلت من أنظمته وسياساته، عبر عدد من الأساليب والآليات يطرح ذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة لوجود عدد من المتنفذين فيها من أصحاب هذا التوجه، ويمارس عبر ملتقيات إقصادية، وإعلامية - ليس (منتدى جدة) الإقتصادي إلا واحداً منها، وتجاوز ذلك إلى لقاءات مشبوهه مع الآخرين والله أعلم بما يدور بهذه اللقاءات ؟ إن ما وقع في المعرض الدولي للكتاب في الرياض سبقه تنظير وتخطيط حيث أقيمت ندوة في المعرض السابق عن الرقابة على المطبوعات، وكان الحديث مركزاً وجريئاً على تجاوز هذه السياسة في عالم اليوم المنفتح، وأنه لا يمكن الرقابة في زمن التحرر والإنفتاح 00 وجاء هذا المعرض ليكون خطوة عملية لهذا التنظير والتوجه، ولا ندري ماهي الخطوة الأخرى التي يفكر بها القوم مستقبلاً ؟ إن من المفارقات العجيبة والتناقض المخزي لأصحاب هذا الفكر 00 أن تبحَ حناجرهم وتكاد تجف أقلامهم من تحذير شبابنا عن التأثر في محاضن حلق تحفيظ القرآن الكريم والمراكز الصيفية 00 ونحوها من مناشط ترعاها الدولة ويشرف عليها أخيار مؤتمنون كذلك نحسبهم والله حسيبهم ولا نزكي على الله أحداً - ثم ترى هؤلاء لا يرحمون الشباب ولا يقلقون عليهم وهم يقعون فريسة لهذه الكتب الإلحادية والإباحية والشذوذ الفكري والجنسي والاختراق الثقافي ؟! ترا أي أثر ستصنع هذه الثقافة الوافدة في عقول الفتيان والفتيات وما نوع هذه الشريحة من المجتمع التي ستتغذى على هذا الفكر، وستخرج علينا غداً ؟ إننا مؤتمنون على فكر الشباب والشابات وأخلاقهم وقيمهم، وإذا تسارعت الدول والأمم على صياغة عقول شعوبها على فكر الدولة وقيمها - وقد تكون قيماً بالية - أفلسنا أولى أهل الإسلام أن نصوغ عقول وأفكار شعوبنا على هدى من شريعة الله وهدى صلى الله عليه وسلم ؟ {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } 0 إننا - أهل الإسلام - لا نستنكر (الحرية) بل هي قيمة كبرى في إسلامنا وحضارتنا لكنها الحرية المنضبطة بضوابط الشرع وليست على حساب القيم والأخلاق والثوابت والمحكمات وفي الدين 00 إن الحرية المجردة من الضوابط عبث ومجون وفساد وإعتداء على الآخرين ولا تعارض عندنا بين الحرية المكفولة، (والرقابة) المهذِبة 00 فلتك أعني الرقابة مبدأ مقر في شريعتنا - وما ضر عمر - ومن هو عمر رضي الله عنه - و صلى الله عليه وسلم يوجهه ويراقبه وينهاه عن النظر في (التوراة) 0 وإذا نهي عمر عن النظر في التوراة، فكيف الحال إذا عرضت أو بيعت التوراة والإنجيل في معرض الكتاب الدولي، على شباب أغرار أو فتيات ناشئات ؟ أو حتى على كهول وكاهلات ؟َ! إنها واحدة من هنات وتجاوزات المعرض ؟ بل هي إحدى الكُبر ؟ . ومن المقرر عند علماء الملة أن ليس كل علم نافع، بل في العلوم ما يضر، وما يحسن حجبه عن عامة الناس، ولذا حين كانت حركة الترجمة في زمن المأمون العباسي ونقل وترجم فيها الغث والسمين، لم تكن محل رضا العالِمين، ولم تورث الأمة تقدماً قدر ما أورثته تفرقاً وفتنه، يقول الذهبي رحمه الله، وحين استخلف المأمون على رأس المائتين نجم التشيع وأبدى صفحته، وبزغ فجر الكلام، وعربت حكمة الأوائل، ومنطق اليونان، ونشأ للناس علم جديد مرد مهلك لا يلائم علم النبوة ولا يوافق توحيد المؤمنين، قد كانت الأمة منه في عافية وقويت شوكة الرافضة والمعتزلة وحمل المأمون المسلمين على القول بخلق القرآن إلى إن يقول، إن من البلاء أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف وتقدم عقول الفلاسفة ويعزل منقول إتباع الرسل، ويمارى في القرآن ويتبرم بالسنن والآثار، وتقع في الحيرة، فالفرار قبل حلول الدمار وإياك ومضلات الأهواء، ومجارات العقول، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (تذكرة الحفاظ 1 ـ 328 ، 329) ويحذر الذهبي في مواطن أخرى من كتبه عن بعض العلوم ويقول: والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علم الأوائل، والإهيات الفلاسفة وبعض رياضاتهم بل أكثره، وعلم السحر ثم يذكر من ذلك الشعر الذي يعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة جداً فالتحذر 00 ثم يرى الذهبي أن الأحاديث المكذوبة الواردة في الصفات لا يحل بثها إلا للتحذير من إعتقادها، وإن امكن أعدامها فحسن (السير 10 ــ 604) 0ترى ماذا سيقول الذهبي لو أبصر ما فوق ذلك ؟ إنها جنايات على الفكر والمعتقد، وإختراقات أخلاقية وأمنية وإنقلابات فكرية، وغزو ثقافي، واجب العقلاء وأهل الغيرة الإسلامية، والوطنية الصادقة أن يتصدوا لها، ويكشفوا أستار المخططين والمنفذين لها . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم.
الخطبة الثانية