فهرس الكتاب

الصفحة 13899 من 27364

وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) ) (آل عمران: 31) .

ويقول الأمام أبن القيم- رحمه الله تعالى-: ( لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعي الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل لا تٌقبل الدعوى إلا ببينة:(( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ) ) (آل عمران: 31) .

( فتأخر الخلق كلهم, وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه) ] من مدارج السالكين 3/9[.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: (فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب, ليست محبته لله وحده, بل إن كان يحبه فهي محبة شرك, فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله, فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب, فكانوا يتبعون الرسول, فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين, وهكذا أهل البدع، فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه, فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى, بحسب ما فيه من البدعة، فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلي كل ما يحبه الله . فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر) ]الفتاوى 8/361,360[.

والمقصود من إيراد ألآية التي في سورة آل عمران، وكلام أهل العلم عندها, وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه، ويختبر صدق محبته لله تعالى ولرسول صلى الله عليه وسلم في قومته ونصرته لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، إذ أن علامة حبنا لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، وصدقنا في نصرته أن نكون متبعين لشرعه وسنته، وأن لا يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسو صلى الله عليه وسلم وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول ا صلى الله عليه وسلم وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) ) (الصف: 2،3 ) .

* فيا أيها الذي تعبد الله تعالى بغير ما شرع الرسو صلى الله عليه وسلم ، وقام لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم زادك الله غيرة وغضباً لله تعالى ولرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن اعلم أن الذي قمت لنصرته هو القائل: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) ) (البخاري:2697) .

وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال مما يؤذي نبينا محمداً- صلى الله عليه وسلم - ويسيء إليه، فاحذر أن تكون ممن يدعي محبة رسول ا صلى الله عليه وسلم وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والإتباع, ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته، وأشنع من هذا من يدعي محبة الرسو صلى الله عليه وسلم ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر ويدعوه أو يدعو علياً والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله ، أو يؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بسب أزواجه أو أصحابه، فإن كل ذلك يدل على كذب أولائك المدعين .

* ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسو صلى الله عليه وسلم ، إن هذا منكم لعمل طيب مشكور؛ ولكن تفقدوا أنفسكم فلعل عندكم وفي بيوتكم وبين أهليكم ما يغضب الله عز وجل ورسول صلى الله عليه وسلم من آلات اللهو، وقنوات الإفساد، ومجلات اللهو والمجون، فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لمما يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته، إذ أن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتباعه، لأن المحب لمن يحب مطيع.

* ويا أيها التاجر الذي أنعم الله تعالى عليه بالمال والتجارة، إنه لعمل شريف، وكرم نبيل أن تهب لنصرة رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وتهجر وتقاطع منتجات القوم، الكفرة الذين أساءوا إلى رسول ا صلى الله عليه وسلم وآذوه، ولكن تفقد نفسك ومالك عسى أن لا تكون ممن يستمرئ الربا في تنمية أمواله، أو ممن يقع في البيوع المحرمة، أو يبيع السلع المحرمة التي تضر بأخلاق المسلمين وأعراضهم وعقولهم، فإن كنت كذلك فحاسب نفسك وراجع صدق محبتك للرسو صلى الله عليه وسلم الذي قمت لنصرته، ألا تعلم أنك بأكلك الربا تعد محارباً لله تعالى ولرسول صلى الله عليه وسلم ، وصدق القيام لنصرته، قال الله تعالى:

(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ) ) (البقرة: 278, 279) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت