فهرس الكتاب

الصفحة 13924 من 27364

واذا كان المؤرخون قبله، في معظمهم، قد اكتفوا بأن يكونوا جماعين للرواية، أو المادة التاريخية، دونما اخذها بما يتطلبه من منهج يمحص ويعزل.. يقبل ويرفض.. يثبت وينفي.. كي لا يمر الا ما هو متحقق في حركة التاريخ، أو مقارب للحقيقة في أقل تقدير، فأنه رأى أن قد آن الاوان لاعتماد منهج مرسوم لكي يصير النشاط التاريخي علما منضبطا لا عواطف وتحزبات واهواء وميولا.

ولقد قيل الكثير في هذه المسألة، ولذا سنجد انفسنا مضطربين لتجاوزها صوب بعض التأشيرات التي تؤكد (اسلامية) هذا التوجه (العلمي) في التعامل مع التاريخ، واستمداده الكثير من الخصائص والمواصفات من البيئة التي انتمى اليها الرجل لا من أية بيئة أخرى. وهكذا ستكون النتائج التي توصل اليها الرجل من خلال منهجه هذا وتساوقه في نسيجها العام، وفي معظم مفرداتها، مع المنظور والمعطيات الاسلامية.

ابتداء وعى سبيل المثال، يطرح ابن خلدون هذه المقولة الاستقرائية ذات التأثير البالغ في صميم الحركة التاريخية للجماعات والشعوب انه ما من دولة (كبيرة) الا وأصلها الدين «اما من نبوة أو دعوة حق» والدول الكبيرة التي يسميها البعض بالامبراطوريات ويسميها ابن خلدون (الدول العامة الاستيلاء، العظيم الملك) هي الدول الاكثر ثقلا وتأثيرا في حركة التاريخ، ليس فقط في مجرياته السياسية، بل في نموه الحضاري، وهذا هو الاهم.

كيف يفسر ابن خلدون ذلك (أن الملك ـ يقول الرجل ـ انما يحصل بالتغلب، والتغلب انما يكون بالعصبية واتفاق الاهواء على المطالب وجمع القلوب وتأليفها انما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه.

قال تعالى (لو انفقت ما في الارض جميعا ما الفت بين قلوبهم) (50) . وسره ان القلوب اذا تداعت الى اهواء الباطل والميل الى الدنيا حصل التنافس ونشأ الخلاف، واذا انصرفت الى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله، اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد واتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة (51) .

إنه يتحدث هنا عما يمكن تسميته بالمعامل العقائدي، وذلك الذي يشد طاقات الجماعة البشرية الواحدة التي تنتمي الى عقيدة ما، ويوجهها صوب هدف واحد.. بؤرة واحدة، فتزداد قدرتها على الفعل التاريخي، تماما كما تزداد قدرة أشعة الشمس على الاحراق من خلال تجميعها بالعدسات اللامة. فالدولة الكبيرة ـ إذن ـ هي تعبير تاريخي عن قدرة امة ما على الفعل الموحد الذي صاغته ووجهته صوب هدفه الواحد، عقيدة حيوية آمن بها الجميع.

وبعكس هذا، فان غياب الدين يعني تبعثر الفعل وتشتته صوب اهداف متغايرة متضاربة، ومن ثم تضاؤل دوره التاريخي. فليست الجماعة التي لا تربطها عقيدة بقادرة على ان تمتد في الزمان والمكان، واذا حث وان امتدت فعلا، فان هذا يجيء استثناء للقاعدة، ولا يحكم عليه، ومصيره ان يتلاشى لاول تحد يبرز له في الطريق، ولن يؤخذ يوما بالاستثناء.

في الانتماء الديني ثمة حقيقة اخرى يشير اليها ابن خلدون تزيد فاعلية هذا الانتماء.. انه رفض الانقياد للباطل والاقبال على اله. وتلك هي حجر الزاوية في قدرة الانسان الفرد والجماعة البشرية على التجرد الكامل في مواجهة التاريخ بأقصى قدر من التوتر والفاعلية والتناغم، وباقل قدر من الجذب والشد والاعاقة.. ان القرآن الكريم يصف المؤمنين مرارا بأنهم (يسارعون في الخيرات) 52 فيكشف هاهنا البعد الزمني، البعد التاريخي، في حركة الانسان المؤمن في العالم لتحقيق اكبر قدر ممكن من الانجاز في أقل حيز ممكن.

وابن خلدون يختم مقولته تلك بهذه العبارة ذات الدلالة «.. اتسع نطاق الكلمة لذلك فعظمت الدولة» ، فالكلمة كما هو معروف، لا تتحول الى فعل تاريخي الا بالايمان الذي يحيلها الى طاقة حركية تعبر عن نفسها من خلال الجماعة المؤمنة وتكون نتيجة هذا التعبير: دولة عظيمة. وكذلك كانت دولة الاسلام الاولى في أعقاب الفتحات التي اختزلت الزمن والمكان، وكذلك كانت الدول الكبرى في التاريخ.

واذا كان ابن خلدون قد أكد مرارا على مفهوم العصبية، باعتباره أساسا لقيام الدول، فانه لم يغفل عن ان الدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة على قوة العصبية التي كانت لها من عددها، كما يقول في احدى فصول الباب الثالث من مقدمته.. لماذا؟ وكيف؟ لأن السبب في ذلك «ان الصيغة الدينية تذهب بالتنافس والتحاسد الذي في اهل العصبية وتفرد الوجهة الى الحق. فاذا حصل لهم الاستبصار في امرهم لم يقف لهم شيء لان الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه. وأهل الدولة التي هم طالبوها، وان كانوا اضعافهم فاغراضهم متباينة بالباطل، وتخاذلهم لتقنية الموت حاصل، فلا يقاومونهم وان كانوا اكثر منهم، بل يغلبون عليهم ويعاجلهم الفناء بما فيهم من الترف والذل كما قدمناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت