فهرس الكتاب
وهذا كما وقع للعرب في صدر الفتوحات الاسلامية.. واعتبر ذلك في دولتي المرابطين والموحدين، فقد كان بالمغرب من القبائل كثير من يقاومهم في العدد والعصبية او يشف عليهم، الا ان الاجتماع الديني ضاعف قوة عصبيتهم بالاستبصار والاستماتة، كما قلناه، فلم يقف له شيء». ويواصل ابن خلدون تحليله قائلا «واعتبر ذلك اذا حالت صبغة الدين وفسدت، كيف ينتقض الامر، ويصير الغالب على نسبة العصبية وحدها دون زيادة الدين، فيغلب الدولة من كان تحت يدها من العصائب المكافئة لها او الزائدة القوة عليها الذي غلبتهم، بمضاعفة الدين لقوتها ولو كانوا اكثر عصبية منها وأشد بداوة..» (53) .
ان ابن خلدون هنا (يحيد) العصبية في حالة دخول الدين في الصراع فاذا ما غاب الدين كان للعصبية، كقوة عددية واجتماعية، ان تلعب دورها اما مع الدين فتكون اشبه باداة، او عامل مساعد، وهذا الموقف خطير لانه رغم تأكيدات ابن خلدون المتكررة على العصبية، وإقامة اقسام واسعة من نظريته على قواعدها فانه هنا يفوق الدين عليها ويجعله صاحب الفاعلية الاولى في الغلبة السياسية، والفعل التاريخي عموما.
فاذا ما استرجعنا الآن عبارته الدقيقة ذات الدلالة، والتي وردت في ثنايا مقولته، لم ندهش لتأكيد ابن خلدون على دور الدين، فوالذي ادرك بعمق ابعاد هذا الدور «اذا حصل لهم الاستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء لان الوجهة واحدة والمطلوب متساو عندهم وهم مستميتون عليه»
ومن ثم ينهار منطق الاعداد في الصراع التاريخي، ينهار حتى منطق الارتباط النسبي بالعصبية والقوة البدائية المجردة التي تنبثق عنه، لكي يحل محلها جميعا (استبصار) ديني لموقف الانسان العالم وعلاقته بالله خالق الكون والحياة والانسان. وعند ذاك يتحول الانسان المؤمن الى طاقة حركية متقدة لا يقف لها شيء، وهو مع الجماعة المؤمنة التي ينتمي اليها والتي وجهها الايمان الديني والاستبصار صوب الهدف الواحد، تقلب المقاييس الظاهرية للصراع وتفعل المعجزات.
وبرجوع متبصر الى واقعة الفتوحات الاسلامية، والى العديد من التجارب التي شهدها التاريخ الاسلامي، يمكن ان نعثر على النموذج التطبيقي الذي أكد عليه ابن خلدون واستشهد به.
وبالمقابل «فان الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم» كما يؤكد الرجل في فصل آخر من الباب الثالث، ويسعى للتدليل عليه بحشد من الادلة المنطقية والاحايث الصحيحة والوقائع التاريخية «ان كل امر تحمل عليه الكافة لابد له من العصبية» .
وفي الحديث الصحيح «ما بعث الله نبيا الا في منعة من قومه» واذا كان هذا في الانبياء وهم اولى الناس من برق العوائد، فما ظنك بغيرهم؟ الا تخرق له العادة في الغلب بغير العصبية؟».
انه يشير الى قدرة الانبياء عليهم السلام على تجاوز التحديات التاريخية فوق العادة، كما حدث لكثير من منهم، لكنهم مع ذلك يعملون في التاريخ في صياغة أبعاد جديدة مستمدة من معطيات الزمان والمكان، فلابد لهم اذن من الافادة من اسبابه الذاتية للانقلاب عليه. وحديث الرسول (صلى اله عليه وسلم) هنا يبدو متساوقا مع معطيات الحركة الاسلامية كلها، تلك التي جاءت لكي تنقلب على التاريخ من خلال التاريخ نفسه، على ضوء برنامج الهي فوقي هو بمثابة دليل عمل أو (استبصار) ، اذا اعتمدنا تعابير ابن خلدون، في هذا الانقلاب. ومن أجل مزيد من القانعة يقودنا الرجل الى عديد من الشواهد التاريخية (54) .
ولا ينسى ابن خلدون ان يطرح تحفظه الذكي وهو يتحدث عن دعوات الانبياء عليهم السلام.. انهم مؤيدون من الله سبحانه بالكون كله لو شاء، لكنه انما اجرى الامور على مستقر العادة (55) . ان الله سبحانه قادر، حيث لا يعجزه شيء في الارض ولا في السماء، على حمل رسله بكلمته التي لا راد لها الى >فاق الانتصار النهائي، لكن حكمته سبحانه، وعلمه المسبق بمصائر لدعوات، في الوقت نفسه، شاءت ان يتحرك رسله في قلب العالم، في صميم التاريخ، ان يعانوا من اثقاله وعوائقه، وان يتجشموا واتباعهم عناء اوهاقه، والا يبلغوا النصر النهائي الا باتخاذ الاسباب التي تمكنهم من هذا الصراع القاسي الذي لا يرحم احدا ولا ينحني لاحد. وذلك هو ما يعنيه ابن خلدون «بمجرى الامور على مستقر العادة» أي سنن التاريخ ونواميس الكون.
ذلك اذن هو التقابل الفعال في نظرية ابن خلدون: الدين والعصبية.. الرؤية أو الاستبصار الايماني، والاداة التاريخية. ان العصبية بدون دين لا تحقق شيئا كبيرا، والدين بدون عصبية لا يتحرك وقتا طويلا.. لابد من اقتران الجانبين. واذا كانت رؤية ابن خلدون للعصبية محدودة في نطاق الروابط القبلية يومذاك فأنها قد تنسحب في الفترات اللاحقة وفي القرن العشرين، على التنظيمات البشرية التي تعتمد القوة والعصبية الحزبية وتحل فيها رابطة الولاء بدلا من رابطة النسب.. والامر سواء.