فهرس الكتاب
كل هذا يغيب تماما -في رأي المسيري- عن مفسري هذه الأيام من المفسرين الحرفيين الذين لا يعترفون بالنسبية. وهنا يفرق المسيري بين النسبية الإسلامية وبين النسبية الغربية، ففي حين تقول الغربية بغياب المطلق تماما فإن النسبية الإسلامية تقول: إن عقل الإنسان محدود، وإن النص القرآني يتجاوزه، وإننا وإن كنا لن نصل للحقيقة المطلقة، ولكن لنا مرجعية مطلقة تقول إن"فوق كل ذي علم عليم".
ويرى المسيري أن التفسيرات الحرفية متأثرة بالتصور الغربي، وأبعد ما تكون عن التصور الإسلامي، ويضرب مثالا لهذه التفسيرات بالتفسيرات التاريخية والتفسيرات العلمية للقرآن والتي تسعى للمطابقة بين القرآن والواقع، سواء الواقع التاريخي (مثل المطابقة بين وقائع تاريخية وبين القصص القرآني) أو الواقع العلمي (مثل المطابقة بين نظريات واكتشافات علمية وبين نصوص قرآنية) ، ويؤكد على أن القرآن حاكم للتاريخ وللواقع وليس العكس، ولا يجوز المطابقة بين المطلق الإلهي والنسبي البشري.
أخطاء منهجية للتفسيرات الحرفية
ويعدد المسيري عددا من الأخطاء المنهجية التي تقع فيها التفسيرات القرآنية للقرآن منها:
أنها تتجاهل أن النص القرآني ليس نصا بسيطا واضحا كلية، بل هو نص مركب يتطلب جهدا وخيالا.
كما تتجاهل أن علاقة هذا النص بالواقع ليست بسيطة أو سببية بسيطة (مثل قول بعضهم: من يقرأ كذا يحدث له كذا...) فالنص هو إرادة الله، والسهل والبسيط هو إرادة البشر، وهي أيضا تؤدي إلى إغلاق باب الاجتهاد حين تلغى المسافة بين النص وبين الواقع، كما تحول المعرفة من الاجتهاد لتصبح أقرب إلى انتزاع الآيات من سياقها لتطابق واقعا تاريخيا أو علميا أو يفرض عليها أي معنى في رؤية بسيطة اختزالية.
كما تنزع النص من سياقه ورؤيته الكلية الشاملة، وهنا يؤكد المسيري على أهمية السياق والنظرة الكلية للنص، ويشير إلى أن مقولة"لا اجتهاد مع النص"يجب أن تتسع لتصبح"لا اجتهاد مع النص في كليته وتركيبيته"، مؤكدا على أن الاجتهاد الحالي في مسائل مثل الاستنساخ والقضايا العلمية، يجب أن يكون جماعيا ولا ينفرد به مفسر واحد.
وينتقد المسيري مطابقة التفسيرات الحرفية بين النص القرآني وبين الواقع التاريخي أو العلمي، ويرى أن القول بتطابق القرآن مع الواقع دعوة ربوبية، والربوبية هي أصل العلمانية وهي تدعو إلى إمكانية وصول الإنسان للقيم الأخلاقية بمفرده، ولكن لا مانع من الوحي، وعنها ظهرت فكرة أن الله صنع الكون وتركه كصانع الساعة.
ويرفض المسيري دعوى التطابق ويقول:"لو كان هناك تطابق لذهبنا للواقع بدلا من النص"كما أن هذه المطابقة تجعلنا نحاكم القرآن من منظور الواقع وليس العكس، ويرفض مقولة حسن حنفي -أحد من ينادون بالتفسيرات الحداثية للقرآن- عن أن النص هو الواقع والتي تسير به إلى القول بأن الله هو الواقع والله هو الشعب، (تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ويرى أنها رؤية تشابه الرؤية الصهيونية.
ومما يأخذه المسيري على التفسيرات الحرفية أنها تؤمن بأن العقل الإنساني قادر على الإحاطة بمعنى القرآن إحاطة كاملة شاملة، ويرى أن هذه التفسيرات (ترى الإله متجسدا في النص المقدس وفي المفسر صاحب القول الفصل الذي يكتشف التطابق التام بين النص المقدس والواقع التاريخي العلمي) ، كما أن المفسر الحرفي للقرآن يرى نفسه باعتباره صوت الله ويخلع على تفسيره ومن ثم على نفسه القداسة.
بين المجازية والحرفية
ولكي يكشف مأزق التفسيرات الحرفية يحلل المسيري فهم المفسر للغة فيؤكد أن هناك لغات بسيطة واضحة كاللغة الرياضية لا تتناسب مع التعبير عن العلاقات الإنسانية، إذ لكي يفصح الإنسان أكثر لا يمكن أن يستخدم اللغة الرياضية الحيادية، ومن ثم يصير اللجوء للمجاز مهما في اللغة الإنسانية بسبب تركيبية الواقع، وهو ما يساعدنا على عبور المسافة بين النص والواقع ويحولها لمجال التفاعل. فالمجاز يجعل هناك قدرة على التعبير عن المركب واللا محدود، ويربط غير المعروف وغير المحسوس بالمعروف والمحسوس، والمعنوي بالمادي دون أن يمزجهما عضويا فيصيرا شيئا واحدا.
ويؤكد أنه من دون مجاز لا يمكننا إدراك الله الذي هو رب المحدود واللا محدود وهو متجاوز (مفارق) للمخلوقات و"ليس كمثله شيء". فالله موجود ولكن ليس وجودا ككل الوجود، ونحتاج للمجازية في الحديث عن الله، فالسؤال: هل الله موجود هو سؤال علماني مادي لا يرى وجودا إلا للمادة، ولأن الله لا يتجسد وهذا جوهر التوحيد، كان المجاز هو وسيلتنا في فهم وجوده سبحانه وتعالى.
ويلاحظ المسيري أن الحضارة الإسلامية العربية التي زخرت بالمجاز لم تلجأ للرموز لأنها -الرموز- تعني امتزاج العنصرين (الدال والمدلول) على عكس الحضارة الغربية الغارقة في التجسيد والتي تحل فيها الصور والأيقونات بديلا عن المجاز، وعند الحلوليين فإن الله هو مركز الكون والكامن فيه أيضا، على عكس الرؤية الإسلامية التي ترى أن الله لا يمكن إدراكه على وجه الكلية.