ويقارن المسيري بين الإله في اللغة المجازية وبينه في التفسيرات الحرفية ليوضح خطورة هذا النوع من التفسير، فالإله في اللغة المجازية مدلول متجاوز مفارق لنا، مختلف عنا ولكنه لا يهجرنا بل يرعانا، وعلاقتنا به علاقة اتصال وانفصال، وهو متجاوز للتاريخ والواقع ولا يمكن تجسده أو تصويره. بينما هو في التفسيرات الحرفية يتجسد ويصبح مثلنا وعلاقتنا به علاقة اتصال والتحام وذوبان للمسافة ويتجسد فينا وفي الدنيا وفي النص المقدس.
فالمفسرون الحرفيون يرون أن القرآن هو الله، وبما أنهم قادرون على معرفة النص فهم قادرون على معرفة الله، ومن ثم فإن الله يحل فيهم! فبما أن النص عندهم يحوي التاريخ والعلم والواقع إذن يصبح الواقع والنص والإله شيئا واحدا! وهذا - برأي المسيري- هو النموذج الكامن الخفي وراء التفسيرات الحرفية التي ترى إمكانية الوصول للمعنى الكلي والنهائي من خلال معرفة النص والواقع والطبيعة.
وهم اليقين والولع بالعلم
وينتقد المسيري التفسيرات الحرفية، فالنص المقدس فيها كأحداث التاريخ وقوانين الطبيعة، وأن تفسيراتها خطية متوازية مع الواقع المادي، وأن صاحبها يميل للاجتزاء، وعلى عكس المفسر الأصولي التوحيدي الذي يميل للتواضع، ولا يتوقف عن قول"الله أعلم"، في حين يؤكد المفسر الحرفي دائما وصوله لليقين المطلق وهو متعجرف شبه متأله وأحيانا متأله!.
ويؤكد المسيري على أن الخطورة في التفسير الحرفي ليست في مجرد مطابقة النص القرآني بالواقع، وإنما في الرؤية الكامنة وراء هذه المطابقة، فالرؤية المتوازية الحرفية بين الواقع والنص تؤدي لاحتفاء المركز (الله) ؛ لأن المرجعية تنتقل هنا للواقع. وأخيرا فإن التفسيرات الحرفية يموت فيها النص ويبقي المفسر الحرفي الذي يصبح ديكتاتورا يتحكم بالنص.
ويرى المسيري أن من أكبر المآخذ على التفسيرات الحرفية ولعها بالعلم، وينتقد التفسير بالإعجاز العلمي الذي يعتبره أحد التفسيرات المغرقة بالحرفية، ويفسر ظهورها وانتشارها بأنها ناتجة عن أزمة حضارية تتعلق بمحاولة اللحاق بركب التقدم العلمي في أوربا والغرب، وأنها تقع تحت تأثير سطوة العلم، وسطوة أن اليقين الكامل لا تحققه إلا العلوم الطبيعية، في حين أنها تفتقد الوعي بأن للعلم بعدا إلحاديا، وأنه في أفضل حالاته لا يمكن أن يزيد من الإيمان أو ينقصه.
ويرى المسيري أن ثمة تأثيرات علمانية على التفسيرات الحرفية التي تأخذ بالإعجاز العلمي؛ فالعلمانية تؤله الإنسان في نهاية الأمر وتؤمن بأن الإنسان قادر على الوصول إلى الحقيقة الكاملة، وأن العلوم الطبيعية تعطينا الحقيقة الكاملة كما نتصورها، ويعلق المسيري ساخرا:"إن تفسيرات الإعجاز العلمي تبدو وكأنها تريد أن تثبت أن الله عالم طبيعة لا بأس به!".
من المفارقات التي يتوقف عندها المسيري أن سطوة العلم الطبيعي تم تقويضها في الغرب في حين أن مفسرينا الحرفيين ما يزالون يعيشون عصر الولع بالعلم ويرونه مدخلا لإنسان هذا العصر، ويضيف"هناك أشياء في الإنسان لا يمكن تفسيرها علميا ولا ماديا، والأفضل ألا نتحدث عن تفسير علمي لها بل الأفضل عكس ذلك تماما: أن نثبت أن العلم لا يصلح مدخلا للإنسان".