فهرس الكتاب

الصفحة 13977 من 27364

وفي هذا الإطار ينسب الجابري إلى محمد عبده نوعا من اعتماد نمط من الفصل بين الدين والسياسة، قوامه تأجيل العمل السياسي إلى أن يتم تكوين ما يكفي من الرجال تكوينا صحيحا في الدين وغيره من علوم الوقت.

ويرصد الجابري عددا من الحركات ذات الامتداد السلفي لجأت إلى خيار الثورة المسلحة (مثل حركة الأمير عبد القادر في الجزائر، المهدوية في السودان، حركة عمر المختار في ليبيا، ثورة ابن عبد الكريم الخطابي في المغرب...) ، ولكنه يؤكد على سمة فارقة غلبت على هذه الحركات؛ هي أنها لم تكن تتحرك في أفق عولمي، بل كانت قُطرية محلية الطابع.

يؤكد أن هذا الملمح كان مما ميز الإسلام السياسي النهضوي؛ فهو نهض لمقاومة الغزو الاستعماري لبلاد الإسلام، معتمدا العمل المباشر قُطريا، ومقتصرا على التضامن المعنوي (وأحيانا المالي) عالميا. كما لم يكن يضع الغرب كله في سلة واحدة؛ بل كان يركز مناهضته -التي كانت قُطرية الطابع- على الدول التي مارست الاستعمار، وأكثر من ذلك استغلاله المنافسة والخلاف بين الدول الاستعمارية، سالكا مسلكا براغماتيا، قوامه عدو عدوي صديقي.

ويخلص الجابري من قراءته لتطور الحركة السلفية والإسلام السياسي المرتبط بها إلى أن الإسلام السياسي المعاصر الذي ينسب إليه ما يعرف اليوم بـ الإرهاب ليس امتدادا للسلفية النهضوية التي حملت مشعل الإصلاح الديني، ورفعت راية مقاومة الاستعمار.. رغم أنه يقع على الخط والمسار نفسيهما.

وينتهي الجابري إلى أن سلفية الأفغاني وعبده النهضوية كانت نقلة نوعية قياسا مع سلفية محمد بن عبد الوهاب. أما السلفية التي تسمي نفسها اليوم بالسلفية الجهادية فهي نقلة نوعية مغايرة: ترتبط بالوهابية على صعيد السلف؛ فهي من هذه الناحية نكوص بالنسبة للسلفية النهضوية الإصلاحية، ولكنها من ناحية أخرى تجاوز لها من حيث قفزها على القُطرية والوطنية، وتطلعها إلى التحول إلى عولمة مضادة، تجسم ما يسميه بـ النقيض الخارجي للأمركة، للعولمة/ الإمبريالية/ الأمريكية.

وفي مقالته: (طالع: الإخوان المسلمون في مصر.. والسلفية في المغرب) يتتبع الجابري مسار تطور سلفية محمد عبده؛ فيلحظ أنها أسست -على صعيد الفكر والواقع معا- لتيارين؛ الأول تيار فكري سلفي إصلاحي يستعيد سلفية ابن عبد الوهاب ويتجاوزها على صعيد الانفتاح على العصر، والنزوع نحو التجديد في الدين والفكر واللغة، وهو التيار الذي توطد وتطور في المغرب العربي، خاصة مع كل من الثعالبي ومدرسته في تونس، وابن باديس في الجزائر، ومحمد بن العربي العلوي وتلميذه علال الفاسي بالمغرب. وهذا التيار -الذي يصفه بالمتفتح- هو الذي أسس لقيام أحزاب سياسية وطنية زاوجت بين السلفية والتحديث، وبين الأصالة والمعاصرة، متخذة من الاستعمار الفرنسي خصمها الخارجي الأول، ومن الطرقية وشيوخها المتعاملين مع الاستعمار المكرسين للبدع ومظاهر الانحطاط خصمها الداخلي.

وأما التيار الثاني -وهو المباشر والأساسي- فهو ذلك الذي استمر ينمو وينتشر في المشرق العربي وفي مصر خاصة، عبر رشيد رضا وآخرين، ثم عبر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين.

في رأي الجابري كان قيام جماعة الإخوان -ظاهريا- تطبيقا للإستراتيجية التي انتهى إليها عبده؛ إستراتيجية التدرج من تكوين مجموعة، تليها مجموعات، تتولى الدعوة للإصلاح والعمل له مع تربية الشعب تربية دينية صحيحة.. لكنها خرجت فعليا على نهجه الذي لم يكن يقصد أن تتحول هذه الجماعات إلى جماعات سرية، وتتطور أحيانا لممارسة العنف. وهو الاتجاه الذي كان عبده قد قطع معه بعد الفشل الذي رآه بأم عينه، سواء في مصير حركة الضابط عرابي الثورية أو في متاهات الحركات السياسية والفكرية المتطاحنة.

وفي رأي الجابري أن أول الاختلافات كان في الرؤية السياسية؛ فرغم أن السياسة كانت حاضرة في إستراتيجية محمد عبده فإن الهدف السياسي الذي قصده منها كان ينحصر في تكوين رأي عام وطني يعرف ما للحكام من حق الطاعة، وما للمحكومين عليهم من حق العدالة. وعلى أساسها يقومون بمراقبتهم وتوجيههم.

وعبده -من هذه الناحية- ينخرط في فضاء فقه السياسة، ولكنه فقه لا يطرح ذلك الشعار الذي طرحته جماعة الإخوان ومن بعدها معظم الجماعات الإسلامية، شعار إقامة الدولة الإسلامية. فالدولة الإسلامية -عنده- كانت قائمة دائما في بلاد الإسلام، ومهمة فقه السياسة وفقه النصيحة هي الدعوة إلى جعل الدولة أقرب ما يمكن من المدينة الفاضلة الإسلامية التي يسودها العمل بالكتاب والسنة، كما كان الحال زمن الخلفاء الراشدين.

والجابري يرى أن جماعة الإخوان ظهرت كتعبير جذري عن الجانب المحافظ في فكر محمد عبده، وبالتالي كانفصال عن سلفيته الإصلاحية وإستراتيجيتها. إذ إنها نقلتها من دعوة إصلاحية مفتوحة تخاطب المسلمين كافة إلى حركة قوامها الدعوة والتنظيم معا، وبالتالي إلى طرف ضد أطراف أخرى في المجتمع، وهو طرف تتحدد هويته بمبدأ واحد هو: الأخوة في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت