فهرس الكتاب

الصفحة 13978 من 27364

ويعد هذا ملمحا لاختلاف جماعة الإخوان المسلمين عن سلفية عبده؛ فهي -الجماعة- أقرب لحزب سياسي تتخذ الإسلام (بوصفه عنصرا مقوما لهوية المجتمع ككل) محددا لهويتها هي وحدها كجماعة خاصة داخل المجتمع. وهو ما أدى بها إلى التطور في وضع غير حزبي، وضع لا يعترف بـ الآخرين، ولا يعترف به هؤلاء الآخرون.

وكانت النتيجة حدوث انفصال واصطدام بين هذه الجماعة والأحزاب الوطنية التي تحدد هويتها الحزبية بغير الدين (وإن كانت لا تقصيه بالضرورة) والتي ترفع شعارات لا تتعارض مع الدين مثل: الحرية، الاستقلال، الجلاء، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، التحديث الاجتماعي، محاربة الاستبداد السياسي والطبقي... إلخ.

أما المسار الذي اتخذته سلفية محمد عبده في المغرب العربي فقد اختلف تماما؛ فقد وقع تبينها وتوظيفها في عملية مؤاخاة كبرى بين جميع فئات المجتمع من أجل حركة وطنية جامعة، هدفها تحقيق الاستقلال وبناء دولة عصرية. ولم يكن لهذه الحركة خصم فعلي أو محتمل غير الاستعمار وعملائه، هو وحده الآخر؛ ولذلك اتخذت قضية التحديث في المغرب العربي مجرى يختلف عن المجرى الذي عرفته في المشرق.

ولم يكن لعبارة الإخوان المسلمين ما يبررها في المغرب العربي؛ لأنه لم تكن هناك أخوة أخرى غير إسلامية فعلية أو محتملة. لم يكن هناك تغاير. ولن يحصل التغاير والتعدد في الأخوة إلا بعد تحقيق الاستقلال، وانقسام رجال الحركة الوطنية إلى محافظين ومجددين، وهذا هو السياق الذي يفسر عدم ظهور فروع لجماعة الإخوان المسلمين في المغرب العربي، وبالتالي تأخر قيام تنظيمات دينية تمارس فيها السياسة بوسائل أخرى. والتي كان ظهورها فيما بعد نوعا من ردود الفعل داخل هذا الحزب الوطني أو ذاك.

السلفية المغربية نموذج مغاير

الإمام محمد عبده

وينتقل الجابري بعد ذلك من المركز إلى الأطراف؛ فيبتعد بنا عن التجربة المصرية السلفية كما قدمها الأفغاني وعبده ومن تلاهما؛ ليعرض في مقالته (طالع:"السلفية الوطنية"في المغرب) لتجربة سلفية أخرى لها خصوصيتها باعتبارها من تجارب الأطراف، ويقارن بينها وبين التجربة المصرية ليخلص إلى أن أهم ما يميزها هو أنها لم تعانِ من التناقض الذي عانت منه التجارب السلفية الأخرى خاصة المصرية بين الوجهة السلفية والوجهة الحداثية؛ بل قادت هي نفسها معركة التحديث.

فالمغرب -في رأي الجابري- كان دائما يتلقى الأفكار الجديدة والتيارات الأيديولوجية من المشرق، ولكن ما إن يستوطن الوافد من الأفكار والدعوات في أرضه حتى تنزع عنها لباسها"الخلافي"المشرقي لتتكيف مع ظروف المغرب وحاجاته الخاصة فتظهر في صورة جديدة تماما.

ويفسر ذلك كيف أن التيارات الفكرية النهضوية -السلفية منها والليبرالية والقومية- التي تعرَّف المغاربة على آرائها وأطروحاتها، عبر المجلات والصحف والأسفار والاتصالات المباشرة، كانت تؤخذ دائما من وجهها الإيجابي الوطني النهضوي التحرري. أما الوجه الآخر الذي يعكس الخصومات السياسية والأيديولوجية فلم يكن يعني المغاربة في شيء؛ بل ربما لم يكونوا يدركون من أمره شيئا ذا بال. وهكذا كانت آراء محمد عبده تُقرأ في المغرب جنبا إلى جنب مع آراء الزعماء الوطنيين والدعاة النهضويين في مصر وسوريا والعراق، أمثال سعد زغلول ومصطفى كامل ولطفي السيد وسلامة موسى والكواكبي... إلخ. كان هؤلاء يُقرأ لهم لا كمعبرين عن تيارات فكرية متباينة أو أحزاب سياسية متخاصمة، بل فقط كمبشرين بالنهضة والإصلاح والتقدم والتحرر؛ الشيء الذي يجعل هذه الأفكار تعيش علاقات جديدة في المغرب؛ علاقات سلمية، بل علاقات تزاوج واندماج.

ومن ثم فقد لبست سلفية الأفغاني ومحمد عبده حينما انتقلت إلى المغرب لباسا آخر خلت فيه من كل عيوبها: من التوظيف"البراغماتي"للدين لصالح السياسة، ومن اللجوء إلى المهادنة السياسية أملا في إزالة العوائق التي تقف أمام الدعوة، أو من تشكيك في الحريات الديمقراطية وجدوى الحياة النيابية، أو من التزام التحفظ والحذر في اقتباس أفكار الحداثة الأوربية، أو من الدخول في تناقض وصراع مع الحركات الوطنية والليبرالية... إلخ؛ فكل هذه السلبيات لم تنتقل مع الدعوة السلفية النهضوية إلى المغرب. بل حدث العكس فاندمجت أفكار محمد عبده الإصلاحية في مجال العقيدة والسلوك الديني والتربية والتعليم مع أفكار زعماء الوطنية ودعاة التجديد والتحديث المصريين والسوريين واللبنانيين وغيرهم، وشكلت حركة فكرية سياسية واحدة تقمصت خصوصية وضعية المغرب وظروفه وحاجاته وتطلعاته، وأنتجت ما أسماه علال الفاسي بـ"السلفية الوطنية"أو"السلفية الجديدة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت