فهرس الكتاب
ويرى الجابري في فكر حركة علال الفاسي عالم القرويين وزعيم الحركة الوطنية التي قادت الاستقلال ما يؤكد فرضيته من أن السلفية الوطنية الجديدة في المغرب تقبل بل تطالب بكل ما تدعو إليه سلفية محمد عبده، ولكنها لا ترفض ما ترفضه؛ بل تقبله وترغب فيه وتراه ضروريا، وأنها لا ترى تناقضا بين الإصلاح الديني ونشر التربية والتعليم، وإقرار الحريات الديمقراطية والحياة النيابية الدستورية والأخذ بقيم الحداثة ووسائل التحديث من جهة، ولا بين الوطنية الإقليمية والفكرة القومية العربية والجامعة الإسلامية من جهة أخرى.
ويرى أن الخصوصية هي التي جعلت السلفية في المغرب تتبنى هذه الأفكار، بينما ترفضها في بلاد أخرى من العالم العربي؛ فقد تمتع المغاربة بالانسجام والوحدة على مستوى الهوية الدينية؛ فهم جميعا مسلمون سنة، ومن أتباع مذهب الإمام مالك. كما أن الفقه المالكي بالمغرب قد ركز على فكرة المصلحة العامة التي تجد مجالا واسعا في فقه الإمام مالك، إضافة إلى تبني مبدأ المقاصد، وهي فكرة برزت بصورة واضحة مع"ابن رشد"في مؤلفاته حول العقيدة بالخصوص لتتبلور في نظرية متكاملة في الفقه مع الإمام"الشاطبي". وعلال الفاسي تبنى اتجاه"الشاطبي"فبنى اجتهاده الديني على فكرة المقاصد.
بين السلفية والماضوية
وفي مقالته (طالع: السلفية غير.. والماضوية غير!) يتخذ الجابري من"السلفية الوطنية"عند علال الفاسي نموذجا مغايرا لأنواع أخرى من الفهم تجعل من السلفية"ماضوية"؛ أي الرجوع إلى الماضي والتمسك به لذاته، واعتبار سلوك السلف نموذجا صالحا لكل وقت ولكل مكان، كما هو شأن التيار الحنبلي المتشدد المنسوب إلى ابن تيمية (مع تجاوز في كثير من الأحيان) ، وإلى ابن عبد الوهاب من بعده، وخاصة أتباعه المتشددين الذي طبعوا مذهبه بـ"الجمود على التقليد"، فجعلوا السلفية مذهبا"ماضويا"حتى الأعماق.
فهو يرى"السلفية الوطنية"أقرب إلى المنهج منها إلى المذهب. ويثمن قول علال الفاسي:"والذي ينظر في تاريخ الحركات العامة في الدنيا كلها يجد أنه لم تقم ثورة مفيدة في بلد ما إلا سبقتها دعوة للرجوع للماضي البعيد. ذلك أن الرجوع الذي يظهر في شكل تقهقر إلى الوراء هو نفسه تحرر كبير من أشياء كثيرة وضعتها الأجيال العديدة والعصور المختلفة. والتحرر منها هو تخفيف يسهل السير إلى الأمام بخطى واسعة. وإزالتها من الطريق تفتح أفقا عاليا يهدي السائرين للغاية الصحيحة التي يجب أن يوجهوا أنفسهم إليها".
ومن ثم يقرر الجابري أن الرجوع إلى نقطة مضيئة في الماضي ليس من أجل الماضي نفسه بل من أجل التحرر مما تراكم من انحرافات و"ظلمات"في المسار الذي يفصل الحاضر عن تلك النقطة المضيئة. والهدف من هذا الرجوع ليس التثبت عند نقطة في الماضي ولا الجمود فيها؛ بل الهدف هو الانتظام فيها من أجل مواصلة المسيرة من جديد في الاتجاه الذي يمد المستقبل الآتي بسند مما يسميه بالمستقبل الماضي؛ أي الذي كان مشروعا للتقدم في الماضي قبل أن تجهضه الانحرافات والجمود والانكسارات.
بهذا المعنى يتفق الجابري مع مقولة الفاسي:"إنه لم تقم ثورة مفيدة في بلد ما إلا سبقتها دعوة للرجوع للماضي البعيد". والمقصود بالماضي"البعيد"ليس بالضرورة ذاك الذي يمتد بعيدا عن الحاضر بقياس الزمن، بل المقصود ذاك الذي يقع بعيدا عن الحاضر بقياس التقدم والتخلف، إذا جاز استعمال هذا التعبير هنا.
والجابري يرى أن دعوة الإسلام نفسها لم تكن سوى توظيف لهذا النوع من السلفية المنهجية. فبعد أن يشرح الجانب المنهجي يطبقه على الدعوة المحمدية نفسها؛ فقد دخلت في صراع مكشوف وضارٍ مع قوى التقليد التي رفعت شعار"حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا". ولكن بدلا من أن يتجه الإسلام إلى المستقبل وحده ويحارب الماضي محاربته للحاضر، أو يتنكر له جملة وتفصيلا.. طرح على العكس من ذلك شعار الرجوع إلى"الأصل"، إلى دين إبراهيم جد العرب، ولكن ليس من أجل استعادته كما كان تاريخيًّا؛ بل من أجل الارتباط به كتراث"أصيل"؛ أي كما كان في الأصل قبل تحريفه. لقد تم تكثيف الماضي العربي كله في نقطة واحدة هي"ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل" (الحج: 78) والارتكاز عليه لتحقيق قفزة تاريخية يتم من خلالها وبواسطتها تجاوز عبادة الأصنام إلى دين جديد سيحطم أصحابه الأصنام ويقضون على سلطة حماتها.
لقد انطلقت الدعوة الإسلامية والنهضة العربية الأولى من الانتظام في تراث، لكن ليس لتتثبت عنده جامدة ساكنة؛ بل لترتكز عليه في عملية تجاوز كل الموروث القديم، وتشييد تراث جديد.