فماذا يمكن لمن قل حظهم ولم تسعفهم مقدراتهم في خوض منافسات من ذلك النوع المتسارع إلى تأكيد التفوق الغربي، وتعميم القناعة الإنسانية بهذا التفوق؟! أو بعبارة أخرى أشد خصوصية: ماذا يمكن للأمة المسلمة أن تخوض به هذا المعترك الساخن؟ هل ستستجيب هذه المرة لتحديات ذلك النمط العولمي المثير، فتكشف عما بجعبتها مما يمكن أن ترتاد به ميدان المواجهات العولمية الساخنة..؟! أم أنها ستظل هكذا نهباً لما يستجد من أحداث على الساحة الإنسانية..؟!!
إن أسوأ ما أفرزته العولمة من سلبيات.. ذلك النمط المخيف من الطبقية التي تسللت عبر النظم الاجتماعية داخل الدوائر الحضارية أو بين تلك الدوائر وبعضها البعض... فأثمرت عن حالة من الخلل الصارخ في موازين التكافؤ ومعايير التفاضل الحضاري بين الأمم والشعوب على اختلافها.. ويبدو أن كثيراً من فصائل المجتمع الإنساني ـ والغربي على وجه الخصوص: أخذت تستلفتها هذه النواتج السلبية للعولمة وتداعياتها.. فجعلت تتراجع شيئاً فشيئاً إلى منطقة الحياد.. ترقب الأحداث وتطوراتها من طرف خفي.. ريثما تفيئ شراع العولمة إلى مرافئ أكثر أماناً واستقراراً وهدوءاً..!
فالعالم لايزال في انتظار ما تمخضه التقلبات الشديدة في موازين الحياة المعاصرة جميعها.. فهو يعيش حالة من الانصهار الشديد.. ريثما تتحدد ملامحه المقبلة بصورة أكثر تركيزاً وثباتاً؛ ولعل هذه المرحلة الحاسمة هي التي سينبثق من بناتها الأنموذج المنتظر في قالبه النهائي تقريباً..! لذا، فإن العوامل التي تحرك وتتحكم بسهم ما في فعاليات هذه المرحلة:هي مهمة في سياق طموحات كل حضارة إزاء التأثير في معادلة الانصهار هذه لتحديد الشكل النهائي للعالم في أجله غير القصير..!
ولقد تمكن الباحثون من رصد عوامل عدة مهمة تدفع بها بعض القوى المؤثرة في حركة الأحداث العالمية، والتي من شأنها أن تعلي من أسهم ومعاملات كل منها في هذه المعادلة، نذكر منها:
1ـ بروز ظاهرة التكتلات السياسية والاقتصادية على نطاقات إقليمية ذات حضارة أو ثقافة مشتركة.
2ـ الدفع بأفكار ونظريات جديدة تدعم توجه كل تكتل، وقد تلتقي هذه الأفكار وتلك النظريات على هدف واحد وغاية واحدة.. تبعاً لما يجمعها من قواسم مشتركة.
3ـ قضايا الحريات وحقوق الإنسان.. وقبول الآخر الحضاري..!
ويبدو أن أوروبا قد فطنت مبكراً لهذه القضايا ، ومن ثم فقد رتبت أوضاعها على نحو ما تطمح إليه من نصيب في صياغة مستقبل العالم.. ولكن المطروحات الأمريكية العولمية قد غطت كافة هذه الجوانب فأوقعت أوروبا في بعض الحرج لا سيما مع من تزعم أنهم حلفاؤها من دول جنوب المتوسط ذات الثقافة الإسلامية إذ احتوى المشروع تلك البنود جميعاً وغيرها ولتضمن الولايات المتحدة تفوقها في صياغته وتفردها النسبي بقيادة دفته الغربية..!!
ولكن سلوك أغلب المفردات الحضارية الأخرى إزاء هذه الظواهر التي تغلي بها قدور المطبخ العالمي.. لم يبعد كثيراً عن مفهوم القدرية.. إذ إنها على ما يبدو قد استوعبت فلسفة التلقي والتشرب والاستلهام..فهي تتعاطى بغير حيلة: قيم الحداثة والعلمانية وأخلاقيات السوق الحرة.. وتحث خطاها على الطريقة الغربية ـ بغير وعي وتبصر ـ إلى رعاية حق الذات بالإشباع والرفاهية من خلال قيم الشهوة والأثرة ومفاهيم الاستهلاك بلا حدود أو قيود دون تورع بقيم وأخلاق أو اتزاع بضمير حي.. حتى في مشروعاته التنموية: قد ضلت غاياتها.. وزاغت عن ثوابتها حين تعقبت خطى ومناهج مغايرة تماماً لمقرراتها الحضارية.. فلم تفلح في التخصص بنصيب ما إزاء افتعال منظومة ـ ولو متواضعة في مجال التغذية العكسية.. كأحد معولات التكافؤ في ميزان المعاملات الدولية..!
يحدث ذلك كله، وكأنه تسليم عالمي بالتفوق الغربي..! وتوبيخ كل ما يتوارد على الخواطر من أحاسيس بخلاف هذه الثوابت العولمية والمطلقات التي لا تقبل المساس على أي حال..!! وكان طبيعياً أن تنقرض الطبقة الوسطى في عموم القرية الكونية الجديدة، التي يقطن أطرافها غالبية الفقراء الذين يزداد شعورهم بالتفاوت الصارخ بين مركزية العولمة وبينهم..! حتى مفهوم (الحضارة الوسط) لم يعد حاضراً لدى البديهة الإسلامية الحائرة؛ التي أوجلتها التسارعات إلى تأكيد وتعميم القناعات الإنسانية بقضية العولمة على بسط كونية ساحرة..حتى أعمتها عن كل ما يمكن استدعاء التاريخ به وفقاً لمعطيات الوحي الإلهي.. وماله من دور هائل في سياق إعادة إنتاج الفعل الحضاري الإسلامي على امتداد الحياة وتطور الوجود..!