فهذه هي العلة لدى الكاتب وهو الالتزام بالآلية السلفية التي لا تتغير، فالثبات على المبدأ، والالتزام بالقيم هو نوع من الانهزامية التي يراها الكاتب، والمخرج لدى ـ الكاتب بزعمه ـ هو الخروج على هذه المسلمات، وكسر المبادئ والقيم التي قد تخلى عنها الناس إلا نحن، فيقول بهذيان عجيب:"المثقف العربي غالباً ما لا يعيد النظر في مسلماته الفكرية، ملقياً باللوم على كل شيء، إلا المسلمات ذاتها، وكل ذلك يأتي من باب الثبات على المبدأ، والإخلاص للمثل العليا التي تخلى عنها الجميع إلا هو بطبيعة الحال. وذلك يشكل، عند التحليل، نوعاً من آليات الدفاع عن الذات في وجه متغيرات تهدد بسلب دور الوصاية والتخويبة عنه [24] ."
فكل شيء جب أن يتغير كما يقول الكاتب:"كل شيء يتغير، ولا بد أن يتغير [25] "وكل هنا من ألفاظ العموم التي تشمل جميع الأفراد؛ فيدخل في ذلك كل القضايا الإنسانية من عقيدة وفكر وسياسة واجتماع واقتصاد … إلا إن الكاتب قد استثنى في موقع آخر من كتابه العقيدة فقال:"العلاقة بين الخالق والمخلوق فتنظيمها عقيدي عبادي ثابت، لأن مناط العقيدة والعبادة ثابت أبد الدهر لا يطرأ عليه تغير [26] ."وهذا حسن من الكاتب وإن كانت هدنة على دخن فهو لم يبرز ما هو مفهوم العقيدة لديه ، وكما أنه يقر أن العقيدة والعبادة وهي العلاقة بين العبد وربه لا بد فيها الثبات إلا إنه لم يلتزم بذلك في الشريعة فهو يرى أن الشريعة لا بد أن تكون متغيرة فيقول:"إن مضمونها العلمي ـ أي الشريعة ـ لا بد وأن يكون متغيراً ومتحولاً تبعاً لتحولات الزمان والمكان [27] "ويا ليت شعري، كيف قرر الكاتب هذه القاعدة بأن الشريعة لا بد أن تتغير وتتحول؟ من أين أتى بهذه المقولة الزائفة؟ فهل في كتاب الله أو سنة رسوله أو أحد من العلماء المعتبرين من قال بذلك؟ ثم ما مدى هذا التغير والتحول؟ أم أن المسألة مطاطية ليس لها ضابط أوحد؟ ثم من هو الذي يقرر بتحول وتغير الشريعة هل هو نبي مرسل أم عالم أم مفكر أم سياسي؟ من له الحق بالتغيير والتبديل؟ ومن أين حصل على هذا الحق في تغيير الشريعة؟ وهل التغيير والتحويل يشمل النصوص الثابتة أم يلحق فقط القضايا الاجتهادية؟ فمن هو الذي يقرر المصلحة والمفسدة؟ أسئلة وإشكاليات كثيرة يتحتم على الكاتب إيجاد أجوبة لها حتى يثبت ما أدعاه.
إن تغيير الشريعة وتحويلها هو في الحقيقة تحويل للعقيدة، فإننا نعتقد أن نصوص الشريعة من الله، وأنها تتوافق مع الطبيعة البشرية في كل زمان ومكان ولن تضيق أو تعجز يوماً في تقديم أرقى وأسمى ما يصبو إليه الإنسان، وإننا نعتقد أنه لا يحل لأحد من البشر كائناً من كان أن يبدل شريعة الله، فيحل الربا والخمر والزنا من أجل ضرورات المجتمع وطبيعة الحياة المعاصرة، فهذا نوع من رفض وإعراض عن شرع الله، فتغيير وتبديل الشريعة هو عزل للدين عن الحياة.