فهرس الكتاب

الصفحة 14152 من 27364

وعقيدة الأمة في باب الأسماء والصفات وأفعال الرب لم تحارب من المتغربين كما حاربت الشريعة، والتي تمثل نظام متميز بقوانينه ومبادئه في جميع شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفيما يتعلق بشؤون المرأة والتعليم، وقد أرتأ أهل الزيغ والضلال بعزل النظام الإسلامي عن الحياة وعن المجتمع وجعل الدين هو علاقة بين العبد وربه، وأما الشريعة وتطبيقها فهي مسألة متغيرة متحولة ليست ثابتة تتشكل وفق حاجة الزمان والمكان فلا يمنع من تطبيق النظام الرأسمالي مثلاً لأنه هو الأنسب في هذا العصر، ونحن لسنا ملزمين بتطبيق الشريعة؛ إذ أن الشريعة متحولة متغيرة فيمكن تغيرها إلى النظام الغربي. سخف من القول وزورا. إن موقف المؤمن المسلّم بأمر الله هو الاستسلام والانصياع لأمر الله كما قال الله تعالى:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ"وهذا القضاء يكون في الأمر الشرعي ؛ فإن قضاء الرسول عليه الصلاة والسلام يكون في الأمر الشرعي التعبدي ، فالآية صريحة بأنه لا خيرة لنا في حكم الله وقضاءه الشرعي لا تغيراً ولا تبديلاً ولا تحويلاً لأحكام الله وأحكام رسول صلى الله عليه وسلم . وهذا القول الكريم مطلق لا يقيده زمان أو مكان ، وتقييد ما أطلقه الله من غير دليل هو تحريف للكلم عن مواضعه، فليس لنا الخيرة فيما قضى الله ورسوله في جميع الأزمنة والأمكنة؛ حتى وإن بدأ لنا أن حكم الله ورسوله لا يتناسب مع الزمان والمكان، وهذا افتراض لا يمكن وقوعه، ولكن نذكره جدلاً ، فإن المؤمن ليس له الخيرة إلا التسليم لله ولرسوله ، وعدم تغيير النصوص وتبديلها. وما حدث للأمة من انتكاسة وتخلف هو نتيجة عن تعطيلهم نصوص الشريعة عن التطبيق والامتثال، وتأويل النصوص عن غير مراد الله ، فأحدثوا في الدين ما ليس منه ، فكثرت البدع والخرافات والانحرافات الفكرية والعملية فكان ذلك سبباً في تسلط العدو علينا. فالخلل ليس من الشريعة؛ وإنما الخلل في تطبيق الشريعة وفي فهمها وكيفية التعامل معها. وهذا ما وقع فيه الكاتب، فهو لم يدرك حقيقة الشريعة الربانية ، وتوائمها مع الطبيعة البشرية ، وخلله ينبع من انبهاره بالحضارة الغربية المادية ، وجعلها المقياس الصحيح لصحة النظم وتقدم البشرية.

الكاتب وتطفله على العلم الشرعي:

مما يحزن المرء ويمرضه هو تطفل كثير من الكتاب والمثقفين على العلم الشرعي، والتعامل مع العلم الشرعي كأي علم إنساني آخر ليس له خصوصية أو ميزة، فالكل له حق الطرح في القضايا الشرعية وانتقاد مناهج العلماء بزعم أن هذا الدين ليس حكراً على طائفة.

ولا شك أن الدين ليس مخصوصاً لطائفة معينة ولكن الفتى وتقرير المسائل العلمية هو لطائفة معينة لا يشاركهم فيها إلا من اتصف بصفاتهم، فالله عز وجل لم يجعل لكل أحد أن يتكلم في القضايا الشريعة بما شاء؛ بل جعل هناك مرجعية لمعرفة أحكام الله، وهم العلماء الربانيين الذين بذلوا مهجهم في طلب العلم وتحصيله ، فهم الذين لهم الحق في الحكم والفتيا كما قال الله تعالى:"فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"فهذه الطائفة قد خصصت نفسها في التفقه في دين الله ، فجعل الله لها الحق في إنذار أقوامهم.

ومن آفات هذا العصر عدم احترام التخصص، وهذا ما سقط فيه الكاتب فقد انتقد مناهج العلماء ، وحاول رفض رأيهم من غير استدلال يستدل به فهو يمنع القياس ويجعل القياس يقيد العقل فيقول:"بقي العقل العربي الإسلامي، بصفة عامة، أسير قضية القياس، دون اعتبار لحركة الواقع [28] "فالذي يحكم على النص هي حاجة الواقع، ومتطلبات العصر وليس النص فيقول:"الانطلاق من الحادثة نفسها للحكم عليها، في إطار متغيرات وحاجات المجتمع المتجددة، وليس مجرد إخضاعها لقياس شاهد حديث على غائب قديم، أو حتى إخضاعها لنص أصلي، طالما أن التغيرات التي أحاطت بإنتاج النص، ليست هي ذاتها المحيطة بتكرار الحادثة [29] "

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت