فهرس الكتاب
أنا ما رأيت كمثل بلفور صفيقا في الوجود
يعطي اللصوص على هواه من الوعود بلا حدود
وبرغم ذلك فما البليّة عند بلفور الحقود
بل عند من يتجاهلون بأنها أرض الجدود ... (30)
وبالمناسبة نقف هنا لنسأل متى استطاع المقص الصهيوني والصليبي أن يقضم أطرافا من الجسد الإسلامي ؟ ... هل عندما"احتمينا بالنصوص جاء اللصوص"كما أكّد على ذلك جهرة على مسامع المسلمين ودون حياء من يسمونه بشاعر الأرض المحتلّة ؟؟ ... أم أن المخلب الصهيوني توغّل في أرضنا الإسلامية عندما تخلّينا عن النصوص ? قرآنا وسنّة وتلبّد فهم الرأي العام لصريح الأمر والنهي فيهما وتهنا بين عقائد الشرق والغرب ؟؟
إن لدى الشاعر الإسلامي الجواب الفصل ?
فلسطين ضاعت يوم ضاعت عقيدة وبات فساد الحال اقبح مقتنى
أيجحد دين العرب سؤددا وينقض ما شاد النبي وما بنى ؟؟
ليرضى علينا الغرب حينا ويحتفي بنا الشرق أحيانا ... ونفقد ذاتنا
و ما زادنا هذا التذبذب عزّة ولكن حصدنا دونه الشوك والعنا .. (31)
بينما- وهذا يشهد به التاريخ - يوم كنا على ميراث الدعوة محتمين بالنصوص ومقتفين آثار الصالحين ومتخذين القرآن دستورا والله غاية و صلى الله عليه وسلم أسوة وقائدا ... يومها حزنا المجد كله والنصر كله ... ?
حين كنّا ...
نتغذّى من عقول الفضلاء
وتربّينا شريفات النساء
آلت الأرض إلينا ...
والسّماء
اشرق النور فينا ...
وتباهينا ...
بجيل العظماء
وسقطنا ...
إذ رضعنا كلمات الآخرين
وطعمنا من فتات الغالبين
أوهمونا
أننا نطفو
بإغراق السّفين
أننا نحيا
بدفن السّابقين
فتسابقنا
لسبّ العلماء
وتندّرنا بقول الأنبياء... (32)
وبعد ...
هذه إذن بعض الهموم الإسلامية المعاصرة التي شغلت مساحة محترمة من شعر الإسلاميين وأولاها هؤلاء اهتماما خاصا فجاء تصويرها إبداعيا واقعيا شفافا يأخذ القلوب وينم عم صدق الإحساس وعمق الشاعرية.
ثم إن هموم العقيدة والدعوة وهموم الأرض المحتلة ليست هي كل ما تمخّضت عنه معاناة الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر ... بل هناك هموم أخرى لا تقل أهمية قد ترجمها الشاعر المسلم في قوافيه ورسم ظلالها في منظوماته كالهموم الثقافية والهموم السياسية والهموم الاجتماعية ... وهي موجودة في مكانها من الدواوين والمجلات.
وما هذا الذي نقدمه هنا إلا إضاءة على الطريق ... ويوما بعد يوم سنشهد للشعر الإسلامي صولات وجولات ... في ميادين الجهاد ... وكلّما تمرّس في العطاء .. وتقدّمت به الخبرة والمعاناة ... واستكمل أدواته ... انطلق في آفاق أوسع من المعاني والأخيلة وعمق التعبير ... وارتفع إلى مستوى الأحداث بصدق وجدارة.
أسباب السقوط وشروط النهضة في مرآة الشعر الإسلامي المعاصر
لقد كان الشاعر المسلم ولا يزال منذ بواكير الفتح الإسلامي المبارك ملتزما التزاما واعيا وصادقا بقضايا أمته ومسخّرا- في إطار هذا الالتزام وتحقيقا لدوره ورسالته في المجتمع - كل مواهبه وإبداعاته.
ذلك أنه منذ أن رسم شاعر الإسلام الأول حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه مستنيرا ومسترشدا بالتوجيه النبوي الشريف معالم رسالة الشعر الإسلامي ومهمّة الشاعر المؤمن والرسالي في الحياة ودوره في المجتمع ... ظلّ الشعراء المسلمون أوفياء لهذا الدور وملتزمين بهذه الرسالة ? فكانت مشاركتهم في ترشيد المجتمع الإسلامي وتحصين الحياة الإسلامية ... صادقة وواعية وفاعلة.
شعراؤنا المعاصرون ... وواقع العالم الإسلامي
إن المتأمل بعمق في واقع العالم الإسلامي المعاصر- والعالم العربي جزء منه- يحزنه ما يرى من أسباب السقوط ومظاهر التخلف السائد في شتى المجالات الحياتية ? السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية ... ويؤسفه ما يلاحظ من غياب المشاركة الإسلامية في مختلف مناحي الإبداعات الحضارية الحديثة العلمية منها والتقنية والفكرية ...
وتزداد وطأة هذا الإحساس بسوء هذا الحال لدى الشاعر المسلم بحكم وعيه ورقّة شعوره إذ تصطدم بتلك الصورة الرائعة التي يحتفظ بها في أعماق فكره ووجدانه عن الإسلام والمسلمين حتى أن الشاعر محمود مفلح تتملكه الحيرة مما يرى من تناقض بين انتماء هذه الأمة وبين واقعها الحاضر ?
ما هم بأمة أحمد ... لا والذي فطر السماءا
ما هم بأمة خير خلق الله بدعا و انتهاءا
ما هم بأمة سيدي ... حاشا.. فليسوا الاكفياءا
ما هم بأمة على الأفلاك قد ركزوا اللواءا
من حطّم الأصنام من أرسى العدالة والاخاءا
من قال أن الله رب ّ الناس خالقهم سواءا
لا فضل إلا للصلاح فلا انتساب و لا ادعاءا (33)
كما يعجّ الأسى بأعماق شاعرنا محمود غنيم ويعصره الأليم كلما جال ببصره في أرجاء العالم الإسلامي ?
ويح العروبة كان الكون مسرحها فأصبحت تتوارى في زواياه
أنّى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه
كم صرّفتنا يد كنّا نصرّفها وبات يحكمنا شعب ملكناه (34)
كما يتساءل الشاعر الملهم محمود صيام بمرارة عن الأسباب التي اختصّت امتنا دون سواها بالمعاناة والسقوط ?
فما لهذا الزمان اختصّ امتنا بالحادثات و غطّتها بلاويه ؟
وما لها ما رأت من قبله زمنا نكراء أيامه سوء لياليه