فهرس الكتاب
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً كان يُتَّهمُ بأمِّ ولد النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول ا صلى الله عليه وسلم لعلي: ( اذهب فاضرب عنقه , فأتاه عليٌّ فإذا هو في رَكِيٍّ - بئر - يتبرَّد فيها ، فقال له عليٌّ: اخرج ، فناوله يده فأخرجه ، فإذا هو مجبوبٌ ليس له ذكر ، فكفَّ عليٌّ عنه ، ثم أتى النبيَّ r فقال: يا رسول الله ، إنه لمجبوب ، ما له ذكر ) رواه مسلم .
قال ابن حزم: ( فَصَحَّ بهذا أنَّ كلَّ من آذى رسول ا صلى الله عليه وسلم وآله وسلم فهو كافرٌ مرتدٌ يُقتلُ ولا بُدَّ ، وبالله تعالى التوفيق ) المحلى 13/504 .
وأجمع العلماء على كفر شاتم الرسو صلى الله عليه وسلم ، وقد حكى الإجماع جمعٌ كثير من أهل العلم ، ( وأمَّا إجماع الصحابة فلأنَّ ذلك نُقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض ، ولم يُنكرها أحد منهم فصارت إجماعاً … فمن ذلك ما ذكره سيف بن عمر التميمي في كتاب: الردة والفتوح , لَما رُفع إلى الماجر بن أبي أمية - وكان أميراً على اليمامة ونواحيها - أنَّ امرأة مُغنية تشتمُ النبيَّ r ، فقطع يدها , ونزع ثنيَّتها ، فكتب إليه الصديق رضي الله عنه: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنَّت وزمزمت بشتم النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فلولا ما قد سبقني لأمرتك بقتلها ، لأنَّ حدَّ الأنبياء ليس يُشبه الحدود ، فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتدٌ ، أو مُعاهدٌ فهو مُحاربٌ غادرٌ ) .
وقال إسحاق بن راهويه: ( قد أجمع العلماءُ أنَّ من سبَّ الله عز وجل أو سبَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم ، أو دفع شيئاً أنزله الله ، أو قتل نبياً من أنبياء الله ، وهو مع ذلك مُقرٌ بما أنزل الله أنه كافر ) التمهيد ج4/226 .
وقال محمد بن سحنون: ( أجمعَ العلماءُ أنَّ شاتم النبيّ r المنتقِّصَ له كافرٌ ، والوعيدُ جارٍ عليه بعذاب الله ، وحكمُه عند الأمة القتلُ ، ومن شكَّ في كفره وعذابه كفر ) الشفا ج2/933 .
وقال ابن المنذر: ( أجمع عوامُّ أهل العلم على أنَّ حدَّ من سبَّ النبيَّ r القتل ) .
ويقول القاضي عياض: ( ولا نعلم خلافاً في استباحة دمه - يعني سابَّ الرسو صلى الله عليه وسلم - بين علماء الأمصار وسلف الأمة ، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره ) الشفا ج2/933 .
وقال الإمام أحمد: ( كلُّ من شتم صلى الله عليه وسلم ، أو تنقَّصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتلُ , وأرى أن يُقتل ولا يُستتاب ) , وقال أبو يوسف: ( وأيما مسلم سبَّ رسول ا صلى الله عليه وسلم أو كذبه ، أو عابه ، أو تنقصه فقد كفرَ بالله ، وبانت منه امرأته ) الخراج لأبي يوسف ص 293 .
وقال العلامة الشنقيطي: ( اعلم أنَّ عدم احترام النبيِّ صلى الله عليه وسلم المشعر بالغض منه ، أو تنقيص صلى الله عليه وسلم ، والاستخفاف به ، أو الاستهزاء ردة عن الإسلام وكفر بالله ) أضواء البيان ج7/617 .
وقال الله تعالى: { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } ( فمن المعلوم أنَّ من أظهرَ سبَّ نبيِّنا في وجوهنا , وشتمَ ربَّنا على رؤوس الملأ منَّا , وطعن في ديننا في مجامعنا فليس بصاغر ) .
وقال الله تعالى: { أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } ( فجعلَ همهم بإخراج الرسو صلى الله عليه وسلم من المحضِّضات على قتالهم , وما ذاك إلاَّ لِما فيه من الأذى , وسبُّ صلى الله عليه وسلم أغلظُ من الهمِّ بإخراجه , بدليل أن صلى الله عليه وسلم عفَا عامَ الفتحِ عن الذين همُّوا بإخراجه , ولَم يعفُ عمَّن سبَّه , فالذمِّي إذا أظهر سبَّ صلى الله عليه وسلم فقد نكثَ عهده , وفعلَ ما هو أعظم من الهمِّ بإخراج الرسو صلى الله عليه وسلم , وبدأ بالأذى فيجبُ قتالُه ) .
وقال الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ {14} وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ولا ريبَ أنَّ مَن أظهر سبَّ الرسو صلى الله عليه وسلم من أهل الذمة وشتمه فإنه يغيظُ المؤمنين ويُؤلمهم أكثر مما لو سفكَ دماء بعضهم وأخذَ أموالهم , فإنَّ هذا يُثير الغضبَ لله , والحميَّةَ له ولرسوله , وهذا القدر لا يُهيِّجُ في قلب المؤمن غيظاً أعظم منه , بل المؤمن المسدَّدُ لا يغضبُ إلاَّ لله , والشارعُ يطلبُ شفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم , وهذا إنما يحصل بقتل السابِّ ) .