فهرس الكتاب

الصفحة 14213 من 27364

( فهذا الملعون الذي افترى على صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يدري إلاَّ ما كَتبَ له , قصمه الله وفضحه بأن أخرجه من القبر بعد أن دُفن مراراً , وهذا أمرٌ خارج عن العادة , يدل كل أحد على أنَّ هذا عقوبة لِما قاله , وأنه كان كاذباً , إذ كان عامة الموتى لا يُصيبهم مثل هذا , وأنَّ هذا الجرم أعظم من مُجرَّد الارتداد , إذ كان عامة المرتدين يموتون ولا يُصيبهم مثل هذا , وأنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسبَّه , ومُظهرٌ لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يُقيموا عليه الحدَّ ) .

ونظير هذا أنه ( من المعروف المشهور المجرَّب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسَّر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يَسُبَّ العدو الرسو صلى الله عليه وسلم فحينئذ يستبشرُ المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو فإنه يكون ذلك قريباً كما قد جرَّبه المسلمون غير مرَّة تحقيقاً لقوله تعالى: { إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } ولَمَّا مزَّق كسرى كتاب صلى الله عليه وسلم مزَّق الله مُلك الأكاسرة كلَّ مُمزَّق , ولَمَّا أكرم هرقل والمقوقس كتابه بقيَ لهم ملكهم ) الجواب الصحيح ج6/296 .

وقال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } .

( ولا يُحبط الأعمال غير الكفر كما دلَّت على ذلك النصوص , فإذا ثبت أن رفع الصوت فوق صوت صلى الله عليه وسلم ، والجهر له بالقول يُخاف من أن يكفر صاحبه وهو لا يشعر ويحبط عمله بذلك ، وأن رفع الصوت قد يشتمل على أذى له ، واستخفاف به ، وإن لم يقصد الرافع ، فإنَّ الأذى والاستخفاف المقصود المتعمَّد كفرٌ بطريق الأولى ) .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أنَّ أعمى كانت له أمُّ ولد تشتم النبيَّ r وتقع فيه ، فينهاها فلا تنتهي ، ويزجرها فلا تنزجر ، قال: فلَّما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتشتمه ، فأخذ المغول- سيف قصير دقيق - فوضعه في بطنها ، واتكأ عليها فقتلها ، فوقع بين رجليها طفل ، فلطخت ما هناك بالدم ، فلما أصبح ذكر ذلك لرسول ا صلى الله عليه وسلم ، فجمع الناس فقال: أنشد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حقٌّ إلا قام ، فقام الأعمى يتخطَّى الناس وهو يتزلزل ، حتى قعد بين يدي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ، أنا صاحبها ، كانت تشتمك ، وتقع فيك ، فأنهاها فلا تنتهي ، وأزجرها فلا تنزجر ، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين ، وكانت بي رفيقة ، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك ، فأخذت المغول فوضعته في بطنها ، واتكأتُ عليها حتى قتلتها ، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أنَّ دَمَهَا هدرٌ ) رواه أبو داود والنسائي .

وعن علي رضي الله عنه: ( أنَّ يهودية كانت تشتم صلى الله عليه وسلم وتقع فيه , فخنقها رجلٌ حتَّى ماتت , فأبطل -أي أهدر - رسول ا صلى الله عليه وسلم دمها ) رواه أبو داود وغيره .

( ولو لَم يكن قتلُها جائزاً لبيَّن r للرجل قُبح ما فعل , فإن صلى الله عليه وسلم قد قال: من قتل نفساً مُعاهَدةً بغير حقِّها لَم يرَح رائحة الجنة ) رواه البخاري .

يقول الخطابي: ( فيه بيانُ أنَّ سابَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مُهدر الدم ، وذلك أنَّ السبَّ منها لرسول ا صلى الله عليه وسلم ارتدادٌ عن الدين ، ولا أعلمُ أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله ) معالم السنن ج4/528 .

وعن أنس رضي الله عنه أنَّ النبيَّ r دخل مكة عام الفتح ، وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاء رجلٌ فقال: ( ابن خطل متعلَّقٌ بأستار الكعبة ، فقال: اقتلوه ) رواه البخاري ومسلم .

( وقد استَدلَّ بقصة ابن خطل طائفة من الفقهاء على أن من سبَّ النبيّ r من المسلمين يُقتل وإن أسلم حدَّاً ) .

وقت صلى الله عليه وسلم سارة مولاة عمرو بن هاشم وكانت مُغنِّية تهجوه , وقتلَ قينتا ابن خطل , وكانتا تهجوان صلى الله عليه وسلم , ومعَ ذلك قتلهنَّ وهنَّ إماء مأمورات بالهجاء , فعُلم أنَّ السبّ من أغلظ الموجبات للقتل .

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن صلى الله عليه وسلم في حديث الذي لمزه في قسمة الذهيبة التي أرسل بها علي رضي الله عنه من اليمن وقال: ( يا رسول الله اتق الله .. ) الحديث

( فثبتَ أنَّ كلّ من لَمَز النبيَّ r في حكمه أو قَسمه فإنه يجب قتله ، كما أمرَ ب صلى الله عليه وسلم في حياته ، وبعد موته ، وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يُؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة ، وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة ، بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت