فهرس الكتاب

الصفحة 14223 من 27364

ونبي الله صالح - عليه السلام - أرسله الله إلى ثمود فأجابوه بهذا الجواب: (( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون * قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين ) )سورة الأعراف ، آية: 75 - 77 .

وهذا نبي الله لوط - عليه السلام - أرسله الله إلى قومه فنهاهم عن فاحشة اللواط ، وإتيان الرجال شهوة من دون النساء فأجابوه بـ (( وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) )سورة الأعراف ، آية: 82 . وفي سورة النمل ، آية: 56 . جاء قوله - تعالى -: (( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) ).

وهذا شعيب - عليه السلام - يقابله قومه بالسخرية والإستهزاء فيصبر ويحتسب قال الله عنهم: (( قالوا ياشعيب أصلاتك تأمرك أن تترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد ) )سورة هود ، آية 87 .

يقولون هذا على سبيل الإستهزاء والتنقص والتهكم (23)

أما نبي الله موسى - عليه السلام - فقد قوبل بسخرية لاذعة واستهزاء مهين من بني إسرائيل قال - تعالى -: (( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) )سورة البقرة ، آية 67 .

قال ابن عطية - رحمه الله - في معنى قوله: (( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) )يحتمل معنيين: أحدهما الاستعاذة من الجهل في أن يخبر عن الله - تعالى - مستهزئاً .

والآخر من الجهل كما جهلوا في قولهم: (( أتتخذنا هزواً ) )لمن يخبرهم عن الله - تعالى - (24) .

أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد لاقى من الاستهزاء والسخرية ما تتفطر له القلوب ، واج صلى الله عليه وسلم سخرية قبائل العرب المشركين في الفترة المكية ، وواجه سخرية واستهزاء المنافقين واليهود في الفترة المدنية - قال تعالى -: (( وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون ) )سورة الأنبياء ، آية: 36 .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ( فاستهزأوا بالرسو صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الشرك ، ومازال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون ، إذا دعوهم إلى التوحيد ، لما في أنفسهم من عظيم الشرك وهكذا تجد من فيه شبه منهم إذا رأى من يدعو إلى التوحيد استهزأ بذلك ، لما عنده من الشرك ) (25) .

ويقول - سبحانه - عنهم: (( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزواً أهذا الذي بعث الله رسولاً * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً ) )سورة الفرقان ، آية: 41، 42 .

قال ابن اسحاق: ثم أن قريشاً اشتد أمرهم للشقاء الذي أصابهم في عداوة رسول ا صلى الله عليه وسلم ومن أسلم معه منهم ، فأغروا برسول ا صلى الله عليه وسلم سفائهم فكذبوه وآذوه ، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون .. مر بهم r طائفاً بالبيت فغمزوه ببعض القول فعرف ذلك في وجه صلى الله عليه وسلم ثم مر بهم ثانية فغمزوه ، ثم الثالثة بمثلها فوقف ثم قال: أتسمعون يامعشر قريش ، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع (26) .

وقد وصف الله همزهم وغمزهم بل صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه -: (( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقوك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ) )سورة القلم ، آية 51 .

وهكذا الدعاة إلى شرعه وسنته ، يلاقون الاستهزاء والسخرية وتلك سنة باقية إلى يوم الدين .

ولهذا فإن عقبة الاستهزاء تصدم بعض الدعاة وآخر تفت في عضده وآخر تقهقره وتجنبه وآخ لا تزيده إلا صلابة في الحق وإصراراً على الاستمرار في منهج الإصلاح ومقاومة الباطل وهذا النمط الأخير هو الذي تحتاجه الأمة ، وهو زاد الدعوة إلى دين الله الحق لأن صاحبه ينظر إلى أقوال الأنبياء والرسل - كما مرت بك آنفاً - فيعلم ويستيقن أنه وارث لتركتهم وهم لم يخلفوا للناس إلا دعوة الخير والتوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتثاث الفساد من الأرض ، ولهذا لا يعبأ بهذا الاستهزاء ولو كدر خاطره فإنه من الأذى الذي لا بد منه في سبيل الدعوة ، ولهذا فقد ربح بيعه لا يقيل ولا يستقيل .

الفصل الرابع: صور من مظاهر الاستهزاء

تتنوع مظاهر الاستهزاء حسب ما يصدر من المستهزئ أو الساخر فقد تكون السخرية بالكلام ، وهذا النوع أكثر من أنواع الاستهزاء قديماً وحديثاً . وقد تكون السخرية بالإشارة غمزاً بالعين ، أو إخراج اللسان وقد تكون بحركة اليد .

ونظراً لكثرة صور الاستهزاء فقد قسمت هذا الفصل إلى المباحث التالية

المبحث الأول: صور الاستهزاء بالله - سبحانه وتعالى - .

المبحث الثاني: صور من الاستهزاء برسول ا صلى الله عليه وسلم وأصحابه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت