فهرس الكتاب
وقوم موسى كذبوه وسخروا منه وأستهزأوا به فأنجاه الله ومن معه وأهلك عدوه قال تعالى: (( فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فأنفلق فكان كل فرق كالطود العظيم وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين ) )سورة الشعراء ، الآيات: 63 ، 66
وأعداء رسول ا صلى الله عليه وسلم استهزأوا به وسخروا منه وكذبوه وآذوه فكانت العاقبة للمتقين ، والخزي والعار والنار والهلاك للطغاة الهازلين المفسدين المكذبين .
قتلوا في الدنيا وعند ربك عذاب ونار شررها كالقصر يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - عن هؤلاء المستهزئين برسول ا صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين: ( والقصة في إهلاك الله واحداً واحداً من هؤلاء المستهزئين معروفة ، فقد ذكرها أهل السير والتفاسير ، وهم على ماقيل: نفر من رؤوس قريش مثل: الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسودان ابن عبد المطلب ، وابن عبد يغوث ، والحارث بن قيس … وكسرى مزق كتاب رسول ا صلى الله عليه وسلم واستهزأ به فقتله الله بعد قليل ؛ ومزق ملكه كل ممزق ، ولم يبق للأكاسرة ملك ، وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى:(( إن شانئك هو الأبتر ) )سورة الكوثر ، آية: 3 . فكل من شنأه وأبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره … ومن الكلام السائر: (( لحوم العلماء مسمومة ) )فكيف بلحوم الأنبياء - عليهم السلام - ؟!! .
وفي الصحيح عن صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: (( من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ) )فكيف بمن عادى الأنبياء ، ومن حارب الله - تعالى - حُرب . (66) .
الفصل السادس
موقف المسلم من الساخرين والمستهزئين
يشكو كثير من الناس وخاصة الدعاة من هذا الوباء ، الذي يعترضهم في طريق الدعوة ، الناس يسخرون منا ، هؤلاء يستهزئون بنا ، ماذا نفعل وكيف نتصرف ؟ وللجواب على ذلك أقول ، وبالله التوفيق .
1)الصبر على الأذى في سبيل الله أحد ثوابت الدعوة إلى الله ، فدعوة بدون صبر لا يرجى من ورائها ثمرة كيف وقد خاطب الله نبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (( فاصبر إن العاقبة للمتقين ) )سورة هود ، آية: 49 وأوحى الله إلى نبي صلى الله عليه وسلم نبأ ما قاله موسى - عليه السلام - لقومه: (( قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين * قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف يعملون ) )سورة الأعراف ، الآيتان: 128 ، 129 ولا بد أن يكون مع الصبر توكل صادق على الله وحده ، يقول سبحانه: (( ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً ) )سورة الأحزاب ، آية: 48 . فالتوكل عليه سبحانه والإعتماد عليه وحده ، والطمع فيما عنده وحده ، هو الركن الركين لسالك هذا الطريق الطويل ، وقديماً قيل: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين .
2)أخذ العبرة ممن هم خير منا فقد مر بك خبر أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام الذين سخر منهم أقوامهم ، هل أثنتهم هذه السخرية عن المبدأ الذي قاموا من أجله والدين الذي أرسلوا به ؟ كلا لقد كان قوم نوح يسخرون منه وهو يصنع السفينة ، ويؤذونه بالهمز واللمز والضحك والإٍستهزاء فما زاده في ذلك إلا مضياً في طريقه ، ويقيناً بوعد ربه له ، وقوم لوط كانو يسخرون منه ومن طهارته هو ومن آمن معه ، ويتندرون بذلك قائلين: (( إنهم أناس يتطهرون ) )فما زاده ذلك إلا ثباتاً على الحق ويقيناً بأمر الله الذي قاله له ربه سبحانه: (( إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ) )سورة هود ، آية: 81 . ورسول ا صلى الله عليه وسلم لما سخر به من سخر واشتد عليه أذى هؤلاء السفهاء خاطبه ربه تعالى بقوله: (( ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون ) )سورة الأنعام ، آية 10 ، ومثلها آية 41 من سورة الأنبياء ، وقال تعالى: (( ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب ) )سورة الرعد ، آية: 32 .
3)المؤمنون عامة - والدعاة خاصة - هم أحرى الناس بقوله تعالى: (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) )سورة آل عمران ، آية: 139 - 142 .
فالمؤمن هو الأعلى قدراً وشرفاً ومنهجاً ومكانة ، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى ، وعند الممات يحمد القوم التقى ، ويوم التغابن يخزي الله أهل الردى .