فهرس الكتاب

الصفحة 14347 من 27364

وكل من تأمل كلمات الآية وما فسرها به أهل التفسير في جميع الأزمان بالاتفاق، وما تعامل عليه الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، لم ير في الأمر مجالاً للجحود بأن المرأة قد أمرها الشرع الإسلامي بستر وجهها عن الأجانب. ما زال العمل جارياً عليه منذ عهد صلى الله عليه وسلم إلى هذا اليوم، وإن النقاب مما قد اقترحه القرآن نفسه من حيث حقيقته ومعناه وإن لم يصطلح عليه لفظاً، وكانت نساء المسلمين قد اتخذنه جزءاً من لباسهن لخارج البيت، بمرأى من الذات النبوية التي نزل عليها القرآن، وكان يسمى نقاباً في ذلك العهد أيضاً.

نعم ! هو النقاب (Veil) الذي تعده أوربة غاية في الشناعة والقبح، ويكاد الضمير الغربي يختنق حتى من تصوره، ويعتبره الغربيون عنوان الظلم وسيما الوحشية وضيق الفكر، وهو أول ما يعقد عليه الخنصر إذا ذكرت أُمة شرقية بالجهالة والتخلف في طريق التمدن، وأما إذا وصفت أمة في الشرق بكونها سائرة في طريق الحضارة والتمدن، فأول ما يذكر من شواهده بكل تبجح وافتخار؛ هو كون (النقاب) قد زال عن هذه الأمة أو كاد .

ويا لخزيكم يا أصحابنا المتجددين المستغربين إذا تبين لكم أن هذا الشيء لم يخترع بعد زمان النبي بل نسج بردته القرآن نفسه، وروجه صلى الله عليه وسلم في أمته في حياته، على أن شعوركم بهذا الخزي وإطراقكم بالندامة والخجل ليس بنافعكم شيئاً ؛ لأن النعامة إن أخفت رأسها في التراب لرؤية الصائد، فإنه لا يطرد الصائد ولا ينفي وجوده، كذلك إن أشحتم بوجوهكم عن الحقيقة، لم تبطل به الحقيقة الثابتة ولم تمح آية القرآن، وإن حاولتم أن تكتموا هذه الوصمة -كما ترونها- في تمدنكم من وراء حجب التأويل، لم تزيدوها إلا وضوحاً وجلاء، وإذا كنتم قد قررتم أن هذا النقاب عار على أنفسكم وشنار، بعد إيمانكم بوحي الغرب، فليس إلى غسله عن أنفسكم من سبيل غير أن تعلنوا براءتكم من الدين الإسلامي الذي يأمر بالأشياء السمجة البغيضة كلبس النقاب وإسدال الخمار وستر الوجوه .

إنكم يا قوم تنشدون الرقي وتطلبون الحضارة فأنى لدين يمنع ذات الخدر أن تكون عطر المجالس، ويوصيها بالعفة والحياء والاحتجاب، وينهى ربة البيت أن تكون قرة عين لكل غاد ورائح.. أنى لدين مثل هذا أن يصلح في رأيكم للاتباع؟ وأين هو من الرقي؟ ومن التهذب والحضارة؟ إنما الرقي والحضارة يقتضيان الآنسة -إذا همت بالخروج من بيتها- أن تنفض يديها من كل عمل قبل ساعتين من موعد الخروج، لتتفرغ فيهما إلى زينتها وتجملها، فتعطر الجسم كله بالطيب، وتلبس الجذاب الأخاذ ، وتبيض الوجه والذراعين بأنواع المساحيق، وتلون الشفتين بقلم الدهان الأحمر Lip Stick وتتعهد قوس الحاجبين وتعده للرمي بسهام النظر ! حتى إذا خرجت من البيت رافلةً في هذه الزخارف، استهوى كل مظهر من مظاهر زينتها وجمالها القلوب، وجذب الأنظار، وفتن العقول، ثم لا تطمئن نفس الآنسة بعد هذا كله من التظاهر بالجمال، بل تكون أدوات الزينة والزخرفة محمولة معها في عتيدتها ( أي شنطتها ) حتى تتدارك بين حين وآخر كل ما نقص أو ضاع من دقائق زينتها.

إن بين مقاصد الإسلام ومقاصد الحضارة الغربية -كما ذكرناه غير مرة - لبوناً بعيداً وفرقاً شاسعاً جداً، ومخطئ بيِّن الخطأ من يريد أن يفسر أحكام الإسلام بوجهة نظر الغرب، ذلك بأن ما عند الغرب من المقياس لأقدار الأشياء وقيمها، يختلف عنه مقياس الإسلام كل الاختلاف، فالذي يكبره الغرب ويعده غاية لحياة الإنسانية، هو في عين الإسلام من التوافه والهنات، وإن ما يهتم به الإسلام ويعظم شأنه هو عند الغرب من سقط المتاع، لذلك كل من قال بصحة المقياس الغربي، فلا بد أن يرى جميع ما في الإسلام واجب الترميم والإصلاح ، وإذا مضى يفسر أحكام الإسلام ويشرحها، جاء بها محرفة عن معانيها، ثم لم يوفق في تطبيقها على الحياة العملية حتى في صورتها المحرفة، لما يعترض سبيله إلى ذلك من أحكام القرآن ونصوص السنة البينة، فحريٌ بمثل هذا الرجل قبل أن ينظر في جزئيات المناهج العملية، أن يتأمل المقاصد التي قد اتخذت للوصول إليها تلك المناهج، وينظر هل هي صالحة للقبول أم لا. وإن هو لم يكن يوافق تلك المقاصد نفسها فأي غناء يغنيه البحث في المناهج التي تختار لتحقيق تلك المقاصد؟ ولماذا يكلف نفسه مسخ تلك المناهج وتحريفها؟ أليس من الأجدر به الأصلح له أن يهجر الدين الذي يخطئ مقاصده؟ وأما إذا كان يتفق مع تلك المقاصد، فلا يبقى البحث بعد ذلك إلا فيما يتخذ لتحقيقها من المناهج، هل هي صحيحة أم لا؟ وهذا البحث يمكن طيه بكل سهولة ، ولكن هذه الطريقة لا يتبعها إلا ذوو المروءة والكرم، وهم قليلون، وأما المنافقون الذين هم بطبيعتهم أخبث ما خلق الله في هذا الكون، فلا يزكو بهم إلا أن يدَّعوا إيمانهم بشيء، ويؤمنوا في الحقيقة بشيء آخر!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت