فكل ما لا يزال هؤلاء يخوضون فيه من المباحث حول الحجاب والنقاب، هو صادر في الحقيقة عن هذا النفاق. وقد استنفدوا كل ما في طاقاتهم ووسعهم لإثبات أن هذا الوضع من الحجاب إنما كان رواجه في أمم الجاهلية قبل الإسلام. ثم نزل هذا الميراث الجاهلي إلى المسلمين في بعض العصور المتأخرة البعيدة عن عهد النبوة. لماذا يتكلفون هذا البحث والتحقيق التاريخي بإزاء النص القرآني الصريح، والعمل الثابت في عهد النبوة، وتفاسير الصحابة والتابعين لمفهوم الآية؟ إنهم يتكلفونه لمجرد أنه كان -ولا يزال- نصب أعينهم من مقاصد الحياة ما هو مقبول شائع في الغرب. وأنه قد رسخ في أذهانهم من تصورات الحضارة والرقي ما نزل إليهم من سمائه، ولمّا كان لبس الملاءة والنقاب لا يلائم تلك التصورات بحالٍ من الأحوال، فقد جاؤوا بمعول التحقيق التاريخي، ليهدموا به ما هو ثابت في شرع الإسلام، وهذا النفاق البين الذي قد تناولوا به هذه المسألة مع غيرها من المسائل، يرجع في أصله إلى ما سبق أن ذكرناه فيهم من خفة العقل وفقد الجراءة الخلقية وعدم التمسك بمبادئ، ولولا ذلك لما سولت لهم أنفسهم أن يأتوا بالتاريخ شاهداً على القرآن؛ مع كونهم يدعون الإسلام وينتحون إليه، بل كانوا أحرياء -ولو أرادوا أن يبقوا مسلمين- أن يستبدلوا المقاصد القرآنية بمقاصدهم هم أو يعلنوا انصرفهم عن الإسلام الذي يعترض سبيلهم إلى التقدم والرقي حسبما يفهمونه من معاني الرقي! ) .
4-الشيخ أحمد عبد الغفور عطار: (حجازي)
ألف كتاباً بعنوان"الحجاب والسفور"لبيان هذا الأمر ، قال فيه ( ص 73 - 74 ) :
( كشف الوجه والكفين لا حجة للقائلين به:
أما من ذهب إلى جواز كشف الوجه والكفين من العلماء القدامى فلهم رأيهم المردود بما جاء عن الله في كتابه العزيز ، وبما صح عن رسول ا صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف.
وأما بعض علماء هذا العصر فقد رأوا إجازة كشف الوجه والكفين خضوعاً منهم لبيئاتهم ومجتمعاتهم التي أصابتها عدوى السفور من غير المسلمين كالأوربيين، واحتجاجاً منهم بما ورد من أحاديث لم تثبت صحتها، أو تعسفاً في تأويلات وتخريجات واستنباطات يردها الدليل الذي لا يقبل ما ذهبوا إليه.
وظاهر التنزيل لا يرضى بالتأويل إذا أريد منه طلاؤه بما يناقضه أو يوجهه الوجهة المناقضة.
وأولئك العلماء المعاصرون الذين ذهبوا إلى جواز كشف الوجه والكفين بما اعتسفوا من التأويل والاستنباط يعيشون في بيئات سفرت فيها المرأة سفوراً فاضحاً، وظهرت المرأة سافرة متبرجة مكشوفة الوجه والجيد والذراع وشيء من الصدر والنحر والساق في أبهى زينة فتانة مغرية، ولم يستطيعوا أن يغالبوا هذا الواقع ، فسفر نساؤهم، ودفعوا ببناتهم إلى المدارس والمعاهد، واضطررن إلى السفور، فاضطر أولئك العلماء إلى تسويغ المنكر الذي وقعوا فيه فلجأوا إلى اعتساف الأدلة وذهبوا إلى جواز كشف الوجه والكفين ) .
5 -الشيخ وهبي سليمان غاوجي: (سوري)
ألف كتاباً بعنوان"المرأة المسلمة"بيّن فيه وجوب ستر الوجه بالأدلة الشرعية، ثم عقد فصلاً بعنوان"رأي شاذ"قال فيه ( ص 206 ، 212) : ( وهناك رأي شاذ في شأن كشف المرأة وجهها ليس هو رأي الحنفية، ولا رأي المذاهب الثلاثة الباقية، ولا جماهير الأئمة من السلف الصالح، ذلك هو رأي الشيخ ناصر الألباني الذي ألف كتاباً لقبه"حجاب المرأة المسلمة"وذهب فيه إلى إباحة كشف المرأة وجهها مطلقاً، خُشيت الفتنة أو لا ! ) .
( لقد هوَّن الرجل على بعض الناس -خاصة من يتبعه، ومن يقتنص الرخص- ترك ما عرفه المسلمون من أيام صلى الله عليه وسلم إلى أيامنا هذه من ستر وجه المرأة، وفي هذا الأمر مع ما فيه من مجانبة الصواب مدعاة لإساءة الظن بالسلف وعصور المسلمين المتتابعة إلى يومنا هذا ) .
6 -الشيخ محمد علي الصابوني: (سوري)
عقد مبحثاً في كتابه"روائع البيان في تفسير آيات الأحكام من القرآن"بعنوان"آيات الحجاب والنظر"قال في خاتمته (2/182 وما بعدها) :
( بدعة كشف الوجه: ظهرت في هذه الأيام الحديثة، دعوة تطورية جديدة، تدعو المرأة إلى أن تسفر عن وجهها، وتترك النقاب الذي اعتادت أن تضعه عند الخروج من المنزل، بحجة أن النقاب ليس من الحجاب الشرعي، وأن الوجه ليس بعورة، دعوة(تجددية) من أناس يريدون أن يظهروا بمظهر الأئمة المصلحين الذين يبعثهم الله على رأس كل مائة سنة ليجددوا للأمة أمر دينها، ويبعثوا فيها روح التضحية، والإيمان، والكفاح.
دعوة جديدة، وبدعة حديثة من أناس يدعون العلم، ويزعمون الاجتهاد ، ويريدون أن يثبتوا بآرائهم (العصرية الحديثة) أنهم أهل لأن يُنافسوا الأئمة المجتهدين وأن يجتهدوا في الدين كما اجتهد أئمة المذاهب ويكون لهم أنصار وأتباع.