فهرس الكتاب

الصفحة 14459 من 27364

)الإشكالية تنبع من أن الإنسان ( فرداً أو جماعة ) ينحو في كثير من الأحيان إلى تقديس الكلمات والمفاهيم والمصطلحات ، وإعطائها بُعداً ثابتاً بحيث تتحول مثل هذه المفاهيم والمصطلحات والتصورات والأحكام إلى قيد على الإدراك ، ومن ثم التمثل ، ومن ثم الحكم على الأشياء والعلاقات (4) .

ثم يؤكد تركي هذا حين يزعم ) أن الأزمة المعاصرة للثقافة ( العربية ) إنما تكمن في هذه النقطة المتُحدَّث عنها آنفاً . مجموعة من المفاهيم والتصورات والقيم اكتسبت صفة الثبات المطلق ( بل السكون ) وفقدت بالتالي الصلة مع الواقع أو المحيط المتغير فأصبح الإدراك الذي تنقله وبالتالي الأحكام الصادرة عنها إدراكاً وأحكاماً مزيفة أو مشوشة على الأقل ، وهذا ما نتبينه من خلال التعامل العربي المعاصر مع أحداث هذا العالم وتحولاته من حيث عدم القدرة على فهم مجريات الأمور وعدم القدرة على تحقيق الأهداف ، وبالتالي المراوحة في مكانك سر رغم كل دعوات النهضة والثورة والإصلاح وغيرها من اتجاهات ايديولوجية تختلف شكلاً ولكنها ذات بنية واحدة مضموناً ، حيث إنها في نهاية المطاف تتحدَّد بذات الثقافة العاملة في إطارها وتنتمي إلى ذات الخطاب وتصدر عن نفس العقل ((1)

قلت: فملخص أزمتنا عند تركي الحمد هو أن:

1 ـ العالم ( أو المحيط ) من حولنا متغير .

2 ـ إدراكنا لهذا العالم ( المحيط ) يتم بواسطة ( مجموعة من المفاهيم والتصورات والمصطلحات والكلمات ) تنقل لنا ( المحيط ) الذي هو بطبيعته متغير . إذاً:

3 ـ لا بد أن تكون تلكم المفاهيم متغيرة ، وإلا فإنها ستتحول إلى وسيط مزيَّف إذا ( ثبتت ) و ( سكنت ) .

4 ـ أزمتنا أننا ثبَّتنا المفاهيم وقدسناها لتكون حاكمة على الأشياء والعلاقات .

هذا هو ملخص الأزمة في نظر تركي ، ومشكلته أنه يستخدم مصطلحات عامة وليست محددة لنتبين مقصده بكل وضوح .

فهو ما دام قد نصَّب نفسه مفكراً يسعى إلى خدمة وطنه وأمته ومشخصاَ لأدوائها ومقترحاً حلول مشاكلها كان الأولى به أن يلجأ إلى لغة ( صريحة ) يفهمها من يوجه لهم هذه النصائح والحلول ، أما اللجوء إلى اللغة حمَّالة الأوجه فهو مما يزيد الأزمة تعقيداً ويشغل الأذهان ، يجول بها بين الظنون والاتهامات .

وجوباً على مقولتك أو ( تشخيصك ) السابق أقول نقضاً له:

أولاً: قولك بأن ( المحيط من حولنا متغير ) ما تقصد بالمحيط أو العالم من حولنا الذي هو متغير في نظرك ؟ وهو ما سيترتب عليه أن تتغير مفاهيمنا لأجله .

إن كنت تقصد بهذا العالم ظواهره الجغرافية الطبيعية من حولنا فهي لم تتغير مكوناتها منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها فالسماء هي السماء ، والشمس هي الشمس ، والقمر هو القمر ، والجبال هي الجبال ، والأرض هي الأرض ، والبحار هي البحار وهكذا: الأنهار والماء والهواء والنار والشجر والحيوانات .

كل هذا لم يتغير منذ أول مخلوق وهو آدم ـ عليه السلام ـ إلى يومنا هذا .

وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير الأعراض الملازمة للأشياء ، من صحة ومرض ، أو سواد وبياض ، وحار وبارد ، وخشن وناعم . . . . الخ فهذه أيضاً لم تتغير منذ وُجدت الأرض .

وأن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو الإنسان وطبائعه المختلفة فهذه لم تتغير ـ فالإنسان هو الإنسان ، يغضب ويرضى ، ويحب ويكره ، ويفرح ويحزن ، ويسعد ويتألم .

وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو ( الأخلاق ) فهذه ـ أيضاً ـ لم تتغير، والناس مجمعون عليها من قديم الزمان ، فالصدق هو غير الكذب ، والكرم غير البخل ، والشرف غير الذل ، والشجاعة غير الجبن ، والمروءة غير الخسة وهكذا .

الناس مجمعون على مدح الأخلاق الشريفة ، من صدق وشرف وشجاعة وكرم ومروءة وشهامة ونُصرة و . .

وهم مجمعون ـ أيضاً ـ على ذم الأخلاق الدنيئة ، من كذب ومهانة وجُبن وبخل وخسة ونذالة ومكر وخديعة و . . .

فهذه ( الأخلاق ) لم تتغير . والناس منذ نشأتهم إلى يومنا هذا يحرصون على أشرفها ويجانبون أرذلها .

وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير المحللات والمحرمات ، فهذه الأصل فيها الحل كما قال العلماء (1) ، وألا يُنتقل عن هذا الأصل إلا بوحي من الله . فهو المحلل والمحرم سبحانه . وقد نهى عباده أن يحللوا ويحرموا دون استناد على الوحي ، فقال: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذب } .

فما أحله الله فهو حلال طيب .

وما حرمه فهو محرم خبيث .

وما كان من الأشياء محرماً ثم حُلَّل فهو حال تحريمه لا نفع للناس فيه ، وحال تحليله أصبح من الطيبات .

وما كان منها محللاً ثم حُرَّم ، فإنه حال حله نافع للناس ، وحال تحريمه أصبح من الخبائث التي لا نفع فيها .

إذاً فالمحللات والمحرمات تتبع الوحي ، وهي لا تتغير إلا بتغيير الوحي لها .

فالزنا ـ مثلاً ـ محرم في جميع الأحوال ، فلا يأتي يوم يُحلَّل فيه ، لأن الوحي انقطع بعد محمد e ، الذي أكمل الله به الدين ، فالزنا باقٍ على تحريمه إلى يوم الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت