أما أكل لحم الحمار الأهلي ـ مثلاً ـ فإنه كان محللاً في بداية الإسلام ، ثم تغير حكمه إلى التحريم ، لأن الوحي جاء بتحريمه بعد تحليله ، بالمرجع الوحي لا تعقب السنين وتغيرات الأحوال .
والوحي قد انقطع بوفاة محمد e ، واستقرت الأحكام بعده ، وعُرف الحلال والحرام ، وهو باقٍ على حكمه ـ من حل وحرمه ـ إلى يوم القيامة ، لا يستطيع أحد أن يغير هذا الحكم .
نعم: قد يرتكب انسان أو دولة المحرَّم ، بل وتقر القوانين لتحليله ، كمساواة المرأة بالرجل في الميراث ـ مثلاً ـ ولكن حكمه باقٍ عند الله على الحرمة لا يغيره اجتراء الناس على ارتكابه ، وسيلاقي من ارتكب هذا المحرم جزاءه ، سواء كان ارتكابه ذلك ينم عن كفر أو معصية .
وإن كنت تقصد بالمحيط المتغير هو أمور ( العقيدة ) وما يتبعها من غيبيات ، فهذه ـ أيضاً ـ لم تتغير . فالله ـ سبحانه ـ لم تتغير أسماؤه الحسنى ولاصفاته العُلى .
وهكذا الملائكة ، وهكذا الجن ، وهكذا الشياطين ، وهكذا الجنة وهكذا النار. . . الخ .
كل هذا لم يتغير .
قد تقول: بل هو متغير ، إن بعض البشر كانوا يعتقدون بإلهين اثنين ، وبعضهم بثلاثة ، وبعضهم بأكثر .
وبعض البشر ينكر الملائكة والجن والشياطين ، أو يتأولها ، وبعضهم لا يعتقد وجوب جنة ولا نار بل يكذب بمجمل البعث بعد الموت .
فأقول: كل هذا لم يغير شيئأ من ذلك ولو اعتقده بعض الناس . فالحق واحد لايتغير سواء عرفه الناس أم لم يعرفوه ـ وسواء اعتقدوه أم لم يعتقدوه .
مثال ذلك: لو أن شخصاً أبرز لنا رقماً من ألأرقام ، هو رقم واحد مثلاً ، ثم قال لنا: كم هذا ؟ فقال بعضنا: أثنان ! ، وقال بعضنا: بل ثلاثة ! ، وقال آخرون بل أربعة ! ، وقال غيرهم: بل خمسة ! ، وهكذا .
هل يُقال بأن الواحد قد تغير ؟! لا أحد يقول بهذا ، فالواحد هو الواحد ، ولو لم يعرفه الناس ، أو لم يصيبوه .
وهكذا أمور العقيدة والغيب .
بقي أن يقال للحمد بأن المتغير الذي يجب أن تقصده هو الوسائل أو عادات الناس
أما الوسائل فهي متغيرة ، ولا يجحد هذا عاقل .
فالناس عندما كانوا يستخدمون أرجلهم أو رواحلهم في السفر أو التنقل أصبحوا يستخدمون السيارة والطيارة .
وبعد أن كانوا يطبخون بواسطة إيقاد النار في الحطب ، أصبحوا يستخدمون الفرن بأنواعه .
وبعد أن كانوا ياكلون في أواني قديمة أصبحوا ياكلون في أواني حديثة .
وبعد أن كانوا يكتبون بالريشة والحبر أصبحوا يكتبون بالقلم .
وبعد أن كانوا يتحدثون مع البعيد بواسطة رفع الصوت ، أصبحوا يتحدثون معه بجهاز يكبر صوتهم أو ينقل صوت الاخر لهم .
وهكذا . . .
وهذه الوسائل هي نعمة من نعم الله على الإنسان الذي وفقه لاختراعها لتسهل له أمور معيشته . وقد امتن الله على السابقين بتيسير الوسائل المريحة لهم ـ في عهدهم ـ فقال سبحانه: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } .
وقال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} .
وقال: { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } .
وهكذا أبناء هذا الزمان سخَّر الله لهم من الوسائل المريحة والميسرة لمعيشتهم الشيء الكثير ، فالواجب عليهم شكرها لتدوم وتزيد . { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} .
وحكم هذه الوسائل أنها حلال طيب مالم يلابسها محرم .
مثال ذلك: الساعة للرجل حلال طيب ، مالم تكن مصنوعة من ذهب ، فإنها تكون محرمة لاحتوائها على محرم ( أصلي ) وهو الذهب . وقس على هذا .
أما عادات الناس فإنها تتبع مجتمعاتهم ، وأذواقهم ، فتختلف باختلاف البلدان ، وهي ـ أي العادات ـ قسمان:
1ـ قسم يخالف الشرع (10) ، مثال ذلك عادة بعض المجتمعات في التحاكم إلى شيوخهم بدلاً من الكتاب والسنة ، فهذه عادة كفرية والعياذ بالله ، والواجب تغييرها ، وإرجاع الناس إلى التحاكم بالشرع ، وهكذا .
2ـ قسم لا يخالف الشرع: فهذا يترك أمره لأهل ذاك المجتمع أو البلد ، فإن رأوا فيه نفعاً أو معيناً على منفعة أبقوه ، وإن رأوا فيه ضرراً ، أو كان معيقاً لهم عن المنافع أزالوه باحسن منه .
مثال ذلك: عادة رجال بعض المجتمعات أو البلدان بعدم تغطية رؤسهم .أو عادتهم في تأخير جزء من المهر وهكذا غيرها من العادات التي لم يحرمها الشرع ، فهذه ترجع إلى حال الناس .
إذن: اتضح لنا أن المتغير أمور يسيره تتبع وسائل الناس وعاداتهم ، ولكن الحمد قد ضخَّم الأمر وهوَّله على القارئ ليجعله متهيئاً لكل تغيير يريده ( المفسدون ) ، ولو كان تغييراً إلى الأسوأ والأحط والأسفل .