فهرس الكتاب

الصفحة 14461 من 27364

وهذه ( النغمة ) التي استخدمها الحمد قد استخدمها قبله آخرون من أبالسة هذا الزمن وكبراء رهط المفسدين الذين قال الله عنهم: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} . ولكنهم فشلوا في تحقيق مايريدون .

ثم جاء الحمد متأخراً ليردد نغمتهم ويُرَجَّع صداهم في بلاد لا تتأقلم مع أي تغيير مفسد ، لكي يجعل لهذا التغيير ( المأمول ! ) قاعدة ( عقلية ) أو ( ثقافية ) .

وإلا فإنه لو كان مخلصاً لدينه ، أو صادقاً مع مجتمعه لطالبهم بالالتزام بالإسلام التزاماً جاداً ، لأته يدعو إلى كل فضيلة ، ويُبعد أبناءه عن كل رذيلة ، وطالبهم ( بتغيير ) عاداتهم المخالفة اللإسلام ، أو الضارة بالمجتمع .

ثم طالبهم وحثهم على الارتقاء في سلم الحضارة ( الدنيوية ) التي تزدهر بها البلاد ، وتترفع بها عن الاتكال على الآخرين ، من انشاء المصانع النافعة المتنوعة وتطوير لأساليبها وتسهيل لمرتاديها وتشجيعهم على خوض غمارها وجلب كل نافع لها من خبراء أو معدات متطورة ، وتوسع في مجالات الزراعة ، وتنويع انتاجها ، واهتمام بكل عقل نابه من ابنائنا ومساعدتهم على تطوير موهبتهم والتفرغ لها وجلب لهم ما يحتاجونه ، وتأمين وسائل المعيشة لهم ليُنتجوا وينافسوا غيرهم دون ( خوف ) أو ( حذر ) .

وهكذا مطالبتهم بالاهتمام بأمر المرأة المسلمة وأن تنال حقها من العلم الذي ينفعها والمناسب لطبيعتها ، كمعرفة أمور دينها ، ومعرفة الطرق السليمة للتعامل مع الطفل منذ ولادته ، ومعرفة أساسيات الصحة ، والأجهزة المتنوعة التي تتعامل معها في البيت .ومعرفتها كل جديد مفيد لها ? كتعلم الحاسب الآلي أو الاقتصاد المنزلي ، أو فن التنسيق أو الديكور. . الخ .

والمطالبة بأن تعمل المرأة ( المضطرة لذلك ) في ما يتوافق مع الإسلام ، ويتلاءم مع تكوينها وطبيعتها لكي تسهم في شغل وقتها بما ينفعها ويفيد مجتمعها دون أن تضطر لارتكاب محظور .

كان الأولى بالحمد ـ وهو المفكر الذي يدعي النصح لمجتمعه ـ أن يطالب بهذا ليكون من ( المصلحين ) الذين ينفع الله بهم ويبارك في آثارهم ، ويُصلح في الآخرة بالهم .

أما ترديد كلمة ( التغيير ) باسلوب مجمل لا ينقل معنى محدداً ، فهو من تضييع الجهود ، وتعميق جراح الأمة ، والتمهيد لها أن تتنكب سبيل الحق والفلاح في الدنيا والآخرة . وهذا ما لا نرضى للحمد أن ( يقدم ) قومه فيه .فإن ( التقدم ) أحياناً قد يقود إلى النار! قال سبحانه عن فرعون: { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} .

أما دعوة ( نسبية ) الحقيقة وهو ما يُلمح من وراء أسطر الحمد في كتاباته فيقال في رده بأن"نسبية الحقيقة"إحدى الركائز التي تقوم عليها الثقافة الغربية منذ نهضة أوروبا الحديثة ، ويربط المفكرون الغربيون بين تلك الركيزة وتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالمجتمع ، ويعتقدون أن تغير الحقائق الحياتية يقتضي نسبية الحقيقة ، غير أن تكوّن تلك الركيزة في الثقافة الغربية يعود إلى فترة أبعد من العصور الحديثة ويرتبط بالعصور الوسطى .

فمن المعروف أن الكنيسة كانت تنطلق آنذاك في حكمها لأوروبا من نص"الإنجيل المقدس"والذي كان ثابتاً والذي كانت تحتكر الكنيسة تفسيره ، وعندما قامت حقائق علمية وكونية متعددة تناقض النص الثابت ، وتناقض تفسير رجال الكنيسة له وقع التصادم المريع بين الدين والعلم ، وكانت النتيجة اضطهاد رجال العلم بحجة مخالفة النص المقدس الثابت ، ولكن الكنيسة انهزمت أمام الثورة عليها وأمام حقائق العلم ، واعتبرت الثورة رجال الدين عقبة في طريق العلم والتقدم ، وصار الربط عنذئذ بين النص المقدس وثبات الحقيقة ، وكذا بين العلم ونسبية الحقيقة.

ومنذ أن بدأ التفاعل بين الثقافتين: الغربية والإسلامية ، كان أبرز صور التصادم بين نسبية الحقيقة في الثقافة الغربية وبين النص"القطعي الثبوت القطعي الدلالة"في الثقافة الإسلامية .

من أول صور التصادم ما أثاره طه حسين في كتابه"في الشعر الجاهلي"عام 1926م ، فقد تعرض لنصوص قطعية الثبوت قطيعة الدلالة ، تحدثت عن ابراهيم وإسماعيل عليهما السلام للكعبة ، وتشكك في تلك الحقيقة ، وحتى في وجودهما التاريخي ، وفي هجرتها ، ورأي أن قريشاً اختلقت تلك القصة لأسباب سياسية واقتصادية ، ورأي فيها نوعاً من الحيلة لأثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية ، والقرآن والتوراة من جهة أخرى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت