فهرس الكتاب

الصفحة 14462 من 27364

ومن صور التصادم أيضاً حديث الدكتور حسين أحمد أمين في كتابه (( حول الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية ) )عن حد السرقة الذي ورد فيه نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة في قوله سبحانه وتعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ، فقد ربط الدكتور بين ذلك الحد وبين الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية آنذاك ، وبين أن العربي كان ينقل كل متاعه على راحلته ، وإن سرقته تعني كل مايملك من جهة ، وتعني هلاكه من جهة ثانية ، لذلك جاء الحكم بتلك الصورة ، لأنه مرتبط بالأموال المنقولة ، والآن أصبحت الأموال غير المنقولة أثمن وأغلى من الأموال المنقولة ، لذلك فهو يقترح تغير الحكم انطلاقاً من تغير الوضع الاقتصادي .

أما نصر حامد أبو زيد ، فقد تحدث في كتابه (( نقد الحطاب الديني ) )عن النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجالات عدة منها: صفات الله ، وفي الحسد والسحر والجن والشياطين ، وقد اعتبر أن الألفاظ الأخيرة مرتبطة بواقع ثقافي معين ، ويجب أن نفهمها في ضوء واقعها الثقافي ، وإن وجودها الذهني السابق لا يعني وجودها العيني ، وقد أصبحت الآن ذات دلالة تاريخية ، وهذا ينطلق في أحكامه السابقة من أن النصوص الدينية نصوص لغوية تنتمي إلى بنية ثقافية محدودة ، تم إنتاجها طبقاً لنواميس تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي ، وهو يعتمد على نظرية عالم اللغة (( دي سوسير ) )في التفرقة بين اللغة والكلام ، وينتهي أبو زيد إلى ضرورة إخضاع النصوص الدينية للمناهج اللغوية المشار إليها سابقاً .

أما الدكتور محمد شحرور في كتابه (( الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة ) )، فقد اعتبر أن جميع النصوص القطعية الثبوت القطعية الدلالة في مجال الحياة الاجتماعية: كالنكاح ، والطعام ، وفي مجال الحدود: كحد السرقة ، والزنى ، والحرابة ، والقتل العمد ... إلخ وفي مجال الأحكام: كتوزيع الميراث ، وأخذ الربا ... إلخ ، جميع تلك النصوص خاضعة لاجتهاد رسم له حدين: أدنى وأعلى ، وقد اعتبر أن سنة الرسول eهي اجتهاد محمد e لتطبيق حدود الإسلام ضمن بيئة الجزيرة العربية ، وبالتالي ، فإن تطبيقه لها ليس ملزماً لنا في شيء !

لاشك في أن نسبية الحقيقة هي النظام الذي يشمل كل تلك الطروحات بدءاً من تشكك طه حسين في الوجود التاريخي لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وفي واقعة بنائهما الكعبة ، ومروراً بربط حسين أحمد أمين لحد السرقة بظاهرة الأملاك المنقولة ، وباعتبار نصر حامد أبو زيد السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالة تاريخية ، وانتهاء باعتبار محمد شحرور جواز تأرجح الحد بين اجتهادين أعلى وأدنى .. ولا أريد أن أكرر الحديث عن الخصوصية التاريخية التي جعلت ثقافة الغرب تقوم على نسبية الحقيقة ، ولا أريد أن أفصل مناقشة رأي كل كاتب فيما يتعلق بالنصوص القطعية الثبوت ، القطعية الدلالة التي تعرض لها ، ولكني أرد موجزاً مختصراً فأتساءل: هل يجوز لطه حسين أن يرد نصوصاً قطعية الثبوت قطعية الدلالة في شأن وجود إبراهيم وإسماعيل ـ عليهما السلام ـ وفي شأن بنائهما الكعبة لا لشيء سوى لوجود أساطير مشابهة قبلها الرومان عن بناء روما من باينياس بن بريام صاحب طرواده اليونان ؟ لماذا يربط حسين أحمد أمين بين حد السرقة والأموال المنقولة ولا يربط ذلك بفعل السرقة الشنيع ، وما يشتمل عليه من ترويع وتخويف واعتداء على المسروق ، وما يصوره من طمع السارق ودناءته وتطلعه إلى ما في يد الغير بغير حق مشروع ؟ لماذ يعتبر نصر حامد أبو زيد الكلمات: السحر والحسد والجن والشياطين ألفاظاً ذات دلالات تاريخية ؟ فهل نفى العلم بشكل قطعي وجود حقائق عينية لتلك الألفاظ حتى نعفي عليها ونعتبرها ألفاظاً لا حقائق لها وذات دلالات تاريخية ؟ لماذا يخضع محمد شحرور الألفاظ القرآنية للتحليل اللغوي المعجمي ، مع أن الإسلام أخرج كثيراً من الألفاظ من معناها اللغوي وجعلها مصطلحات أعطاها معاني أخرى أمثال: الصلاة ، الزكاة ، الأيمان ، الكفر ، الحد… … إلخ ، وعليه أن يحترم هذة المصطلحات عند أي بحث علمي ؟

والآن أعود إلي نسبية الحقيقة التي تتصادم مع النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة الذي يؤدي إلى ثبات الحقيقة ، وأتجاوز الظروف التاريخية التي جعلت نسبية الحقيقة جزءاً أساسياً من ثقافة الغرب ، والتي تختلف عن ظروفتا التاريخية وأتساءل: هل حقاً ليس هناك ثبات في الحقيقة ؟ ومن أين جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في ثقافتنا الإسلامية ؟ وما سنده الواقعي في صيرورة الكون ؟

إن الإجابة عن الأسئلة السابقة تقتضي أن نقرر أن هناك ثباتاً في الحقيقة ، وإلا لما سميت حقيقة ، وبشكل أدق جاء الثبات في الحقيقة من ثبات بعض النواميس التي تحكم الكون ، ومن الفطرة التي قال الله عنها: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت