فهرس الكتاب
ومن مظاهر الفطرة الثابتة إلى مدار التاريخ: التعبد ، وحب التملك ، والتجاذب بين الذكر والأنثى ، وإعلاء قيم الصدق والأمانة ، وإسفال قيم الكذب والخيانة ... إلخ لذلك جاء النص القطعي الثبوت القطعي الدلالة في الشريغة ليعبرعن تلك الحقائق الثابتة المنغرسة في الفطرة ، فكانت أحكام العقيدة أحكام العبادات ثابتة ، لأنها تتعلق بفطرة التعبد ، وكانت أحكام فرضية الزكاة وتحريم الربا ، وتشريع حد السرقة ثابتة ، لأنها تتعلق بفطرة حب التملك ، وكانت أحكام الخطبة والزواج والطلاق ثابتة لأنها تتعلق بفطرة التجاذب بين الذكر والأنثى ، وكانت أحكام مدح الصادقين وإجزال مثوبتهم ثابتة لأنها تتعلق ببعض الأخلاق الفطرية .
في النهاية نقول: طالما أن هناك فطرة ثابتة لا تتغير فهناك حقائق ثابت لا تتغير، وهذا ماقادت الظروف التاريخية أوروبا لإنكاره ، وليس بالضرورة أن يكون الصواب مع أوروبا )) 11 .
ثم قال الحمد تحت عنوان ( الخصائص العامة للثقافة العربية ) بأن ( هناك ثقافة عربية واحدة ، وهنالك ثقافة عربية فرعية) 12 كما أن هناك (ثقافة إنسانية شاملة ) 13 وهناك (ثقافات قومية مختلفة ذات تباين وتمايز واضح) 14 وهناك (الثقافات الوطنية(القطرية) والمختلفة والمتباينة)15وهناك (ثقافات فرعية متباينة في ذات الإطار الوطني) 16 .
ثم يقول تركي: (ما نريد قوله إن المسالة ليست قطعية ومطلقة أو آحادية الجانب بحيث يمكن القول مثلاً إن هنالك ثقافة عربية واحدة ولا شيء عداها( التيارات القومية ) أو إن هنالك تراث إنساني وحسب ( التيارات الأممية ) أو إن هناك تراث ديني وحسب ( التيارات الدينية ) أو إن هتاك ثقافة وطنية وحسب ( التيارات القطرية ) ، بل إن المسالة متشابكة ذات أبعاد تعددية وليست آحادية . نعم هناك ثقافة عربية واحدة ذات خصائص محددة ومعينة مشتركة ولكن إلى جانبها ، أو في إطارها ، هناك ثقافات فرعية لا يمكن حصرها . فعلى المستوى الأفقي هنالك ثقافات وطنية ( قطرية ) متمايزة ، وفي ذات الأقطار هنالك ثقافات إقليمية متمايزة هي الأخرى ، وعلى مستوى الإقليم هنالك تمايز أيضاً وهكذا . وعلى المستوى الرأسي (سواء على مستوى الجامعة القومية أو الجماعية الوطنية وما هو أقل من ذلك ) هنالك ثقافات متمايزة أيضاً: ثقافية قبلية ، مدنية ، جماهيرية نخبوية ، فلاحية ، عمّالية ، طلابية ، أكاديمية . . . الخ. موطن الداء والعلة ليس في التمايز والاختلاف بين الثقافات على اختلاف أنواعها ، إذ أن ذلك من طبيعة الوجود البشري على هذه الأرض ، ولكن الداء والعلة يكمنان في الوقف"الصفري"أو الآحادي من هذه الثقافات وتمايزها . وبذلك نعني أنه عندما توضع المسألة على أن الاعتراف بإحدى هذه الثقافات لا بد وأن يكون على حساب الثقافات الأخرى .
ولتوضيح المسألة نقول: عندما يقول الأممي بثقافة إنسانية معينة شاملة: (إسلامية ، مسيحية ، بروليتارية ، . . . ، الخ ) فإن ذلك لاعيب فيه ولا تثريب ولكن عندما يقول بآحادية هذه الثقافة وإطلاقها ونفي ما عداها فإننا والحالة هذه بصدد موقف دوغماتي شوفيني مناقض لواقع الأمور وطبيعتها ونفس الشيء يمكن أن يُقال عن الموقف القومي أو الوطني القطري أو نحو ذلك عندما ينحو منحىً آحادياً صفرياً . هذه هي العلة وهذا هو الداء). (1)
ثم يقول: (خاتمة القول: هنالك ثقافة عربية مشتركة ، كما أن هنالك ثقافة وإرثاً إنسانياً مشتركاً ، ولكن في ظل هذه الثقافة المشتركة هنالك ثقافات فرعية أخرى( أفقية ورأسية ) متمايزة ومتعددة . ويجب الاعتراف بمثل هذه التعددية الثقافية إذا كان المراد الانطلاق من أرض الواقع وآليات هذا الواقع للتحكم في تحديد مسار هذا الواقع من أجل تحقيق الأهداف والغايات المرجوة . أما إذا بقيت الآحادية هي المنهج والدوغما هي المعتقد والشوفينية هي منطق الايديولوجيا فإننا في هذه الحالة لن ندرك الواقع ولن نستوعبه ونفهمه وبالتالي لن نستطيع التحكم فيه وفي مساره ومن ثم لا أهداف تتحقّق ولا غايات تتجسّد بل تبقى طواحين الهواء ودون كيشوت (2 ) ) (3)
قلت:لم يأتِ تركي بجديد في هذا الموضوع ، فالجميع ـ كباراً وصغاراً ! ـ يعلمون أن هناك أدياناً وثقافاتٍ متباينة تعيش على هذه الأرض ، في زماننا هذا ، وفي الأزمان الماضية منذ أن تفرق الناس أشتاتاً بعد أن كانوا مجتمعين على دين واحد ، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل .
يقول الله تعالى {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} . (1)
قال ابن عباس _رضي الله عنه _: (كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعةٍ من الحق ، فاختلفوا ، فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين) (2) .
فالناس قد كانو مجتمعين على دين وثقافةٍ واحدة قبل أن يسلك بهم الشيطان ذات اليمين وذات الشمال ويغويهم عن دينهم .
مما ترتب عليه أن كانت الرسل تُبعث فيهم لتدعوهم إلى ما كانو عليه من توحيد ربهم ، وتردهم إلى الصراط المستقيم ، وتبشر المتقين ، وتنذر الضالين .