فهرس الكتاب
فالعلو والعزة هو للمؤمنين ، وأن كانوا غير متقدمين دنيوياً ، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (4) .
فوصف الله عباده المؤمنين بالعلو والعزة ، ووصف الكافرين بالذلة ، وأخبر بأنهم: ( شر البرية ) (5) ؛ لأن المقياس عنده تعالى هو الأمر والنهي .
وأما أمور ( الدنيا ) فهي حاصلة لمن أراد الله تحصيله إياها بفعله أسبابها .
قال سبحانه: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (1) .
وليس معنى هذا أن نرضى بواقعنا ( المادي ) غير المتطور فنكون كلاً على الناس من شرق وغرب ، وإنما نجد ونسعى في سبل الفلاح الدنيوي وننافس القوم في تحصيل أسباب القوة .
الحاصل: أن تركي الحمد قد خلط بجهل بين أمور الدين وأمور الدنيا ، فجعل التخلف الدنيوي دليلاً على التخلف الديني ! وجعل التقدم الدنيوي دليلاً على التقدم الديني! ففضل الكافرين على المسلمين ، ولم يرتض للمسلمين أن ينظروا لإسلامهم على أنه المهيمن على سائر الأديان ، وهذا ـ كما سبق ـ كفر ، لايمحوه إلا التوبة النصوح إلى الله ، والانتهاء عنه .
ثم قال تركي مواصلاً حديثه عن ثقافتنا بأنها: (رغبوية في مقابل التاريخية) (2) .
ويعني بهذا (اسقاط رغبات الذات على أحداث التاريخ الفعلي لا المفترض ، والنظر إلى أي حدث وكل حدث على أنه يسير في صالح هذه الذات ، وهذا ما نراه واضحاً بشكل خاص في الخطاب العربي المعاصر بشكل أخص الذي يرى ، مثلاً ، في كل حادثة وأي حادثة دليلاً أو مؤشراً على سقوط الغرب أو انتصار قيم الثقافة العربية وغير ذلك) (1) .
ثم يقول: (مسألة الرغبوية في الثقافة العربية المعاصرة خاصية ، تقودنا إلى آلية أخرى من آليات دفاع هذه الثقافة عن ذاتها في وجه الآخر المتفوق والعدو بالضرورة ، ألا وهي ما نسميه النزعة التبريرية في هذه الثقافة . فعندما تبدو معالم ضعف معين وانكسار محدّد فإن السبب في ذلك ، مثلاً ، ليس ذات الثقافة وبعض محدداتها ولكن أمور طارئة شكلية إذا ما استبعدت فإنه لا ريب أن ذلك العقل والثقافة راجعان إلى موقعهما الذي يجب أن يكونا فيه من علوية مفترضة . وإذا لم يحدث ذلك فإن الخلل أيضاً لا يمكن في بنية العقل والثقافة ولا يعني ذلك ضرورة مراجعة هذه البنية . بقدر ما أن أصابع الاتهام تشير دوماً إلى"الآخر"العدو دائماً والذي يمنع معالجة هذه الأمور الطارئة والشكلية . بمعنى آخر ، تتحول العملية في نهاية المطاف إلى قناعة دوغماتية بأن شرط العلاج الأول هو اختفاء"الآخر"( غائية رغبوية ) وبدون ذلك فإن كل محاولة للعلاج لابد وأن تبوء بالفشل ( فعل تبريري ) . أما ذات العقل ومكوناته وذات الثقافة المفرزة لمثل هذه التطورات ومحدداتها فإنها تبقى بعيدة عن أي اتهام وبمنأى عن أي تحليل وتعليل ونقد) (1) .
قلت: أما مسألة سقوط الغرب ( أو الكفار عموماً ) فهي بأمر الله تعالى الذي لو شاء اسقاطهم لأسقطهم ، ولكنه يبقيهم لحكمة ـ وجميع أفعاله تعالى ذات حكمةـ فهو سبحانه يقول عن الكفار في كل زمان ومكان {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} (2) .
فحكم بقائهم كثيرة إليك شيئاً منها:
1-أن يبلو المؤمنين بهم ـ كما سبق ـ فيعلم الصابرين والمجاهدين ، ويثيبهم على جهاد الكفار والانتصار لدينه ، كما في الآية السابقة .
2-أن الدنيا ليست دار جزاء ، وإنما هي دار ابتلاء ، ولو كانت دار جزاء لأهلك الله جميع الكافرين في طرفة عين . قال سبحانه {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} (2) . وقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} (1) .
فالدنيا يموج فيها المؤمن والكافر ، ويسعى كل منهم سعيه الذي سيلاقيه يوم الحساب .
3-أن لايبقى لهم نصيب ولا حظ في الآخرة ، حيث وافاهم الموت وقد أخذوا نصيبهم من الاستمتاع في الدنيا ، فلم يعد لهم عنده تعالى إلا النار مثوىً لهم خالدين فيها .
يقول سبحانه: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} (2) .
ويقول: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} )3)
ويقول: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (4) .