فهرس الكتاب

الصفحة 14467 من 27364

ثم يقول: (إن كل ثقافة تلجاً إلى آلية الدفاع عن الذات بشكل من الأشكال ، وهذا حق مشروع ، ولكن الملاحظ أن الثقافة العربية في دفاعها عن ذاتها تلجأ إلى عمليات النكوص والارتداد إلى الماضوية البحتة( انظر الخاصية الأولى ) والرفض المرضي لكل وافد أو ما يعتقد أنه وافد لا يتواءم مع النموذج ـ المرجع ( انظر الخاصية الثانية ) المحدد ايديولجياً بشكل دوغماتي مغلق . والحقيقة أن الثقافة العربية في تعاملها مع"الآخر"تقع في نوع من"الشيزوفرانيا"والازدواجية القلقة من حيث انها تعرف في داخلها أن هذا الآخر متفوق عليها ولكنها ، وفق آليات الدفاع ، ترفض هذا التفوق وتحاول أن تبرز ضعفها ( المرحلي ) بكافة التبريرات الايديولوجية والقول بأن تفوق"الآخر"هذا هو مسألة مرحلية لا تلبث أن تنتهي وتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي الذي هو علوية الثقافة العربية في نهاية المطاف . ومن ناحية أخرى ، فإن الثقافة العربية ( الذهنية العربية ) تنظر إلى الآخر على أنه"نموذج"يمكن الاستفادة منه ، ولكنها في ذات الوقت ترفضه وتحاول التمسك بأصالتها التي هي في حقيقة الأمر تلك النزعة الماضوية ( النكوصية ) المتحدث عنها سابقاً . بمعنى أنها ، أي الثقافة العربية ، تريد ولا تريد في نفس الوقت ، وهذا يُدخلنا في إشكالية ليس من السهل حلها وإن لجأ البعض إلى محاولات التلفيق والتوفيق التي ، وكما يقول الواقع المعاش ، لم تنجح كثيراً في مسعاها) (1) .

قلت: خلاصة هذا الكلام الطويل أن تركي الحمد يخبرنا بأن لا ننظر إلى ثقافتنا ( وهي الإسلام ! ) على أنها أفضل الثقافات ! أو أنها متفردة على غيرها !! والدليل أن الغرب قد تفوق علينا !! ولا زلنا ـ كما يقول تركي ـ نبرر هذا التفوق بأنه مرحلي ، وسرعان ماتعود الأمور إلى وضعها الطبيعي وهو أن تعلو ثقافتنا عليه .

وقد احتوى هذا القول السابق من تركي الحمد على خلط وجهل ، و (كفريات ) لا يشك فيها مسلم ، حيث زعم هذا الجهول بأن علينا أن لا ننظر إلى ثقافتنا بأنها متفردة وأنها أعلى من غيرها ، فقارن بين الكفر والإسلام ، ثم فضُّل الكفر وأهله عليه ، لأنهم تقدموا ( مادياً ) ونحن لم نتقدم بعدُ ، فلهذا هم أفضل منا ، وثقافتهم ( ومن ضمنها دينهم ! ) أفضل من ثقافتنا ( ومن ضمنها الإسلام ! ) والعياذ بالله من هذا الكفر البيِّن .

ونسي هذا ( الأحمق ) بأن تقدم الغرب (مادياً ) لا يعني صحة ثقافته وأديانه ، كما أن تخلف بلاد المسلمين ( ماديًا ) لا يعني بطلان ثقافته ودينه ( الإسلام ) ، لأن هذا التقدم أو التخلف ( المادي ) لا دخل له بالأديان والثقافات ، فهو مبذول للجميع ، من اخذ بأسبابه وجَدَّ وثابر فقد حاز السبق فيه ومن تكاسل عن اسبابه ، وركن واعتمد على غيره فقد باء بالتخلف .

ولهذا نجد أن بعض البلاد غير الغربية كاليابان مثلاً قد وصلت إلى قمة التقدم ( المادي ) وتفوقت على الغرب فيه ، لأنها اتخذت الأسباب الموصلة إليه من استثمار أمثل للطاقات التي أودعها الله في الأرض ، ودعم لكل صاحب عقل مبدع في مجال التقنية دون وضع معوقات أو تثبيط كما يحصل في بلاد المسلمين ، ولهذا فقد وصلت إلى ما تريد .

وهكذا غيرها من الدول التي تخالف ( الغرب ) في ثقافته، ككوريا أو الصين.

الحاصل: أن ربط التقدم ( المادي ) بالأديان هو جهل عن حقيقة الواقع .

ثم يُقال: بأن من تقدم ( دنيوياً ) وكان غارقاً في الكفر فهو مذموم عند الله . وقد عاب سبحانه على أقوام مضوا كانوا متقدمين ( دنيوياً ) وعمروا الأرض مالم نعمرها ، وكانوا أشد منا قوة وبطشاً ومع هذا فقد عابهم الله ، ولم يعبأ بتقدمهم ولا بحضارتهم ، لأن المعول عليه عنده سبحانه هو اتباع أمره واجتناب نهيه ، أما الحضارة والتقدم فهي موهبة لمن أدرك اسبابها وتمثل بقول الشاعر:

وقَلَّ من جدَّ في أمرٍ يحاوله

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ

قال سبحانه: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (1) ، وقال تعالى: ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واقٍ ) (1) .

وهؤلاء الكفار المعاصرون هم كأسلافهم الماضين مذمومون عند الله تعالى لكفرهم وإعراضهم عن دين الإسلام ، ولن تنفعهم حضارتهم المادية عند الله شيئاً ، قال تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} (2) .

فلا يجوز شرعاً وصفهم بعلو أو رفعة أو عزة لأن الله يقول {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت