فهرس الكتاب

الصفحة 14466 من 27364

ثم أخبرك أنت وأمثالك ممن يدعي أن الالتزام بالإسلام مما يعوق الأمة عن التقدم ، وهو ما تلمحون إليه ولا تصرحون ، أخبرك بأن هذه شبهة باطلة ، لأن دين الإسلام يدعو إلى اتخاذ كافة الوسائل المشروعة للارتقاء بأهله في سلم الحضارة المادية فالله يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} (1) .

وهذه القوة تشمل كل أمر دنيوي يرقي الأمة ، ويجعل أعداءها يهابونها ويقدرونها ولا يستهينون بها ، من اعتناء بالتقنية الحديثة ، والصناعات المتنوعة . . . الخ الأمور المادية التي ترهب العدو وتُعز الأمة .

فهل عارض الإسلام ( الصحيح ) يوماً ما مثل هذا ؟ هل عارض الإسلام مثلاً انشاء المصانع وتشييد الآت الحرب أو النقل وتطوير وسائل الاتصال المتنوعة ؟

لا . . لم يعارض هذا ، وإنما عارض أن ينتشر الفساد الفكري والأخلاقي في ديار الإسلام تحت دعاوي ( التقدم ) و ( التطور ) ، وهو ماتسعى إليه أنت وأضرابك!.‍

ثم قال تركي واصفاً ثقافتنا بالصفة الثانية: وهي أنها (اسطورية في مقابل الواقعية) ( ) !

ومعنى هذا عنده (أن ما يُميز الثقافة العربية في هذا المجال هو ميلها إلى"أسطرة"الوقائع التاريخية إن صح التعبير بشكل أكبر ، وخاصة في أعقاب ما يُسمى بعصور الانحطاط وحتى هذه اللحظة تقريباً ، إذ أن"الثبات"هو أيضاً من خصائص الثقافة العربية على اختلاف وجوهها ومستوياتها وتفرعاتها وذلك في ما يتعلق ببنيتها الأساسية . فالعقل العربي( من ثم الثقافة العربية ) يميل إلى أن يصبغ أحداثاً تاريخية معينة بـ"الفرادة"والتفرُّد ورفعها إلى مصاحف الرمز المتسامي الذي لا يتكرر ، فتتحول هذه الأحداث وأبطالها إلى"أساطير" ( بعد الاختزال والإضافة ) لايمكن أن تتكرر في التاريخ المعلوم ولكنها تبقي أملاً وحلماً مانحاً قيماً معنية يُهتدى بها ولكن لا يمكن الوصول إليها بشكل مطلق) (1) .

قلت: يقصد تركي بالاحداث التاريخية المعينة التي جعلتها الأمة كالأساطير هي أحداث الفتوحات الإسلامية منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ مروراً بالفاتحين من أمثال قتيبه بن مسلم ، وموسى بن نصير ، وطارق بن زياد ، ومحمود بن سبكتكين ، ونور الدين زنكي ، وصلاح الدين وغيرهم من الأبطال.

والأمة ـ كما يعلم كل أحد ـ لم تجعل بطولات هؤلاء العظماء أساطيراً ! إنما افتخرت بها ، وتغنت بتلك لأمجاد الماضية التي اعتز فيها الإسلام ، وذل فيها أهل الكفر و ( النفاق ! ) .

والأمة لم تقل بأن تلك الأحداث لا يمكن الوصول إليها ولا إلى مثلها ، فإن هذا من اختراعات تركي الحمد ، بل الأمة تحاول استعادة تلك الأمجاد والبطولات في كل زمان ومكان ؛ لأن الجهاد"ماضٍ إلى يوم القيامة"فلا مانع من أن تكون تلك البطولات مثالاً يحتذى في واقع المسلمين ، ولا مانع أن يتكرر مثلها ـ ولو رغم أنف تركي ! ـ .

فلا أدري بعد هذا ماذا يعني تركي بقوله بأن ثقافتنا ( أسطورية وليست واقعية) ؟ أم أنها كذبة من كذباته يتكثر بها في كتابه (1) .

ثم قال تركي مبيناً الصفة الثالثة من صفات ثقافتنا بأنها: (أحادية في مقابل التعددية) (2) .

أي: (إنها ثقافة تنظر إلى نفسها على أنها تتمتع بـ"فرادة"معينة تميزها عن غيرها من الثقافات . مثل هذا الموقف لا غبار ولا تثريب إذ أن التمايز صفة من صفات الثقافات في تعددها واختلافها . غير أن الثقافة العربية ، كما تطرح نفسها من خلال الخطاب والممارسة ، تتجاوز مسألة التمايز لتقول بالفرادة ومن ثم ، كنتيجة منطقية ، القول بعلوية الثقافة العربية على ما عداها من ثقافات) (1) .

ثم يقول: (إن ما يُميَّز الثقافة العربية وانعكاساتها السياسية والاجتماعية على وجه الخصوص ، هو أن الشمولية العربية تطرح نفسها( من خلال الخطاب والممارسة) على أنها أبدع ما بالإمكان مقارنة بالآخرين وتربط هذه الآحادية والشمولية بالمرجعية"الرمزية الماضوية"فتمنحها بالتالي نوعاً من القداسة والفردية والعلوية) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت