فهرس الكتاب
أولاً: إن هذه ( الماضوية ) التي جعلتها وصمة عار في جبين ثقافتنا هي مايدعونا الله إليه في كتابه الكريم ! وذلك في قوله تعالي: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر ) (1) فهو تعالى يطلب منا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا واسوتنا في أقوالنا وأعمالنا ، يحذرنا سبحانه من مخالفة أمره e {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} (2) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد عاش في هذا الماضي الذي تزدريه ، وهكذا خلفاؤه الكرام الذين أمرنا e باتباع سنتهم ، وبقية الصحابة والسلف الصالح الذين أمرنا باللحاق بركبهم
فإن كنت يا تركي تزدري ثقافتنا بأنها ( ماضوية ) أي أنها تتخذ من رسول اللهe وهو الذي عاش في ( الماضي ) أسوة وقدوه لها في أقوالها وأعمالها فقد هويت بنفسك في مكانٍ سحيق عندما اجترأت على القول ( الكفري ) المزدري لشريعة الإسلام .
وإن زعمت أن ( بعض ) المعاصرين قد يجتهد في أمور يزعم أنها غير جائزة لأن السلف لم يعملوها كالأكل بالملعقة ، وهو المثال الذي ذكرته ، وهو مثال في غاية الندرة لا يكاد أحد يفعله ـ فلا أدري لماذا قمت بتضخيمه وإبرازه !!؟
فهو اجتهاد فردي يُطالب صاحبه بالدليل الشرعي عليه ، وهل هو من الابتداع في الدين أم أنه من العوائد التي لا تخالف الشرع وتتبع عرف الناس،وهذا مبحث طويل ليس هذا موضوع التعرض له .
وإنما الاعتراض هو على تعميمك هذا المسلك النادر حتى وصمت به ثقافتنا كلها .
ثانياً: أنك أزدريت ثقافتنا ( الإسلامية ) بأنها ( ماضوية ) أي تعتز بالاسلام وبنبيها e وبصحابته وبالسلف الصالح ، ونسيت أن الثقافات الأخرى التي تقدمت دنيوياً ، والتي قد اشرأب عنقك إليها هي أيضاً ثقافات ماضوية ، فهاهم اليهود يفخرون بدينهم وبعاداتهم في زيهم وماكلهم ومشربهم ، وهي تسبق الإسلام بمئات من السنين ، ولم تتخذ من هذه الماضوية مطعناً فيهم أو ازدراءً بثقافتهم ، ومثلهم النصاري الذين درستَ عندهم ، وهم أيضاً ماضويون باتخاذهم ( النصرانية ) ديناً لهم ، وإقامتهم كنائسها ( وتبشيرهم ) بها ، والاعتزاز بمبادئها وأعيادها ، ولم ينلهم منك ما نال أمة الإسلام من الازدراء بثقافتهم .
بل هذه الثقافات ( الماركسية ) و ( البعثية ) و ( القومية ) وهي ما تدندن حوله ! لاتزال تفخر بروادها الذين أبلى التراب أجسادهم وتردد مقولات (ماركس) (1) ، و ( عفلق) (2) و (ساطع الحصري) (3) وكأنها قرآن منزل من عند الله ! ولم ينلهم منك أي ازدراء لهذا التمجيد والدعوة لاحتذاء أفكار ( الماضين ) .
أما نحن المسلون فيغيظك ـ يا تركي ـ أننا نتبع أفضل رسول بعثه الله إلى الناس ، بخير رسالة نزلت فيهم ، فتزعم أن هذا مما يعيبنا ويعيب ثقافتنا .
فلا حول ولا قوة إلا بالله .
أما إن زعمت بأن ثقافتنا ( الماضوية ) قد دخلتها البدع والخرافات ، فليس الحل بأن ننسلخ من جميع هذه الثقافة ونلغي ارتباطنا ـ والعياذ بالله ـ وإنما الحل يكون بتطهير هذه الثقافة من البدع والزيادات فيها ، والدعوة إليها صافية نقية كما أُنزلت على محمد e .
ثالثاً: نقول لك بأن الماضي ـ سواء كان زماناً أو أفعالاً أو أقوالاًـ لايذم لأجل أنه ( ماضي ) فهذا لا يقوله عاقل ، وإلا لذممنا كل مامر من حياتنا ولو للحظات. فحياتنا الماضية مذمومة ، وحياة آبائنا مذمومة ، وحياة آبائهم مذمومة . . . وهكذا ، وهذا ـ كما سبق ـ لا يقوله عاقل .
فالذي يوصف بالذم هو ما وقع في هذا الماضي من أقوال أو أفعال ذميمة ، أما الأقوال والأفعال النافعة فهي مما يمدح أينما وقعت ، سواءً في الماضي أم الحاضر ، والله سبحانه قد آثنى على أمم قد عاشوا في الماضي لأنهم آمنوا وعملوا الصالحات فقال: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ءَامَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (1) .
وعاب أمماً عاشوا في ( الماضي ) لأنهم كفروا وعملوا السيئات ، فأهلكهم ، وقال عنهم: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (1) .
الحاصل: أن صفة ( الماضوية ) ليست صفة ذم مطلقاً وليست ـ أيضاً ـ صفة مدح مطلقاً ، وإنما الذم والمدح يتبع الأقوال والأعمال ، فما كان من الأقوال والأعمال نافعاً يرضاه الله فهو ممدوح في أي زمانٍ كان ، وما كان منها ضاراً لا يرضاه الله فهو مذموم في أي زمان كان .
أما إن قال تركي: أنا لا أذم الماضي لمجرد كونه ماضياً ، وإنما أذم ثقافتنا لأنها اتخذت الماضي مثالاً ومقياساً تقيس به حياتها .
فأقول: هذه أشد وأدهى لأنك عبتنا لأننا نتخذ من ديننا ميزاناً لأقوالنا وأعمالنا ، ومعنى هذا أنك تطالبنا بأن نتنكر للإسلام ولا نؤمن به ولا نلتزم بأوامره وننتهي عن نواهيه ، وهذا كفر مخرج من الملة ـ ولا حول ولا قوة إلا بالله ـ .