تفجير قضية تورط الفاتيكان في عملية التنصير في الجزائر، كشفتها قبل سنتين جريدة"الشروق"الجزائرية، وقد عملت الصحف الفرنكفونية واليسارية نفسها مدافعاً عن الكنيسة الكاثوليكية وتبرئتها من الفضيحة التي دوت في الجزائر وقتها، بحيث تم العثور على أناجيل وعلى أشرطة تدعو إلى المسيحية تم تسريبها إلى ثانويات في منطقة القبائل وفي مناطق أخرى في الغرب الجزائري، بيد أن الواقع الآخر كان أبعد من ذلك بكثير حين ألقت مصالح الأمن الجزائرية القبض على منصرين كانوا يدعون إلى المسيحية مقابل مبالغ مالية تمنح لكل"وافد إلى الرب"على حد قولهم، مما جعل وزارة الشؤون الدينية تخرج عن صمتها لأول مرة وتصدر بياناً ترفض فيه كل محاولة تغريب وتمسيح للجزائريين، و"القوى التي تريد فرض خياراً تغريبياً على الشعب هي القوى الظلامية الخائنة التي باع آباؤها الوطن من قبل وتحاول أن تبيع الدين اليوم"، كما جاء في التصريح الرسمي الصادر عن وزارة الشؤون الدينية في الجزائر.. لكن تلك الحرب على العربية وعلى الإسلام وجدت من يدعمها إعلامياً في الغرب، عبر ربط مناهضتها بالمساس بالحريات الشخصية كما جاء في افتتاحية جريدة"لوفيجارو"الفرنسية قبل شهرين والتي اعتبرت أن الوقوف في وجه"التغريبيين"عملاً إرهابياً لا يمكن السكوت عنه! أحزاب جزائرية نفسها اعتبرت أن الوقوف في وجه الحريات الشخصية إرهاب فكري، وأيديولوجي، بيد أن الحريات الشخصية ارتبطت في الخطاب السياسي لهؤلاء بالحق في التدين بأي دين، بمعنى الحق في الارتداد عن الإسلام الذي مرة أخرى تربطه بالإرهاب، عبر عبارة قالها المغني القبائلي المغمور الذي تحول إلى سياسي مفاجئ المدعو"فرحات مهنى"قائلا"الإرهاب الذي قتل الجزائريين اسمه الإسلام"! فرحات مهنى هو ما يشبه اليوم الذراع الأيمن الراديكالي لحركة العروش الجزائرية التي يقودها ضمنياً"بن بريكة"كأبرز المتطرفين الرافضين للإسلام، ولكل ما له علاقة بالإسلام في الجزائر، وهو المطالب بفتح الكنائس في منطقة القبائل التي تم إغلاقها بعد الاستقلال في الجزائر، كما طالب بدوره بجعل نهاية الأسبوع يومي السبت والأحد بدل الخميس والجمعة!
"السقوط إلى"القمة"!"
ما نشر في الفترة الأخيرة عن قرار جديد بتحويل يومي السبت والأحد نهاية الأسبوع الرسمية في الجزائر بدل الخميس والجمعة أسوة بدول الجوار (تونس والمغرب) لم يكن في الحقيقة إلا مشهداً آخر لوضع مزري يعيشه الجزائريون والذي يحاول من خلاله"التغريبيون"فرض حالة من الخضوع للأمر الواقع. ولعل لجوء الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى إلقاء خطابه السياسي الموجه إلى الجزائريين باللغة الفرنسية فتح الباب واسعاً للمطالبة ضمنياً بإصلاحات جذرية تشمل العربية والإسلام والقانون المدني وبالخصوص قانون الأسرة الذي شكل في النهاية مربط الفرس لكل تلك الجدالات الأخيرة، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 15 مليون جزائري تحت الخط الأحمر من الفقر الشديد قبالة دولة وصلت إيرادات بترولها السنة الماضية إلى 45 مليار دولار!
دراسة جريئة نشرها المعهد الوطني الاجتماعي الجزائري، جاء فيها أن ارتفاع نسبة الفقر في الجزائر ساعد على ارتفاع نسبة الجريمة، وساعد على ارتفاع نسبة العنف أيضاً، وساعد على جعل البلطجة في الجزائر ثقافة محورية بعينها سمحت ببروز العديد من القرارات والقوانين التي مرت مرور الكرام على الرغم من خطورتها الشديدة، بحيث أن الشارع الجزائري انشغل بالبحث عن خبزه اليومي على أن يلتفت إلى حروب تغريبية تمارسها التيارات الموالية لفكرة"التمسيح قدر المستطاع"والتي بدأت كمجرد شعار في السبعينات، رداً على شعار الإخوان المسلمين في الجزائر بعبارة: الإسلام قدر المستطاع، وكانت تلك الحركات المسيحية المتخفية خلف مسميات ديمقراطية أو يسارية أو علمانية تستهدف في المقام الأول المدارس ومراكز التأهيل ومراكز إعادة التربية لأجل نشر ثقافة"التسامح"التي تبلورت في شكل المسيح، وهي الثقافة التي عادت اليوم إلى السطح في ثياب الإصلاحات الشاملة التي تمارس لأجلها الولايات الأمريكية وفرنسا ضغوطات مشتركة لأجل الإسراع فيها في الجزائر وبشكل لا رجعة فيها كما ذكرت جريدة"لاتريبون"الصادرة بالفرنسية في الجزائر. الحكومة الجزائرية التي بدت"غائبة"وغير مكترثة إزاء كل الحملات التغريبية المقصودة لم تتأخر في تواطئها أحيانا فيما يخص تلك الشاكلة من الإصلاحات التي تستهدف ثوابت الأمة، في الوقت الذي بقيت الإصلاحات الاجتماعية التي تمس المواطنين في حياتهم اليومية"محلك سر"، أمام التراجع الرهيب في القدرة الشرائية للمواطنين، وأمام تصاعد التلاعب التجاري والغش والرشوة والفساد الإداري والبيروقراطية. لا شيء حدث لإصلاح هذه الاختلالات الرهيبة في المجتمع والكل هرع إلى اتهام الإسلام بالإرهاب واتهام القوى الوطنية بدعم الإرهاب، واتهام العربية بتزكية التطرف واتهام صلاة الجمعة بمباركة التطرف!