فهرس الكتاب
لا يوجد فرد لا يأكل ولا يلبس ولا يسكن من كل أفراد الشعب . وهذا هو الواجب الذي نكلت عنه الدولة الاقطاعية والدولة الرأسمالية على السواء . وإذا كانت الدولة الرأسمالية الحديثة قد اقتربت من أداء هذا الواجب شيئاً من الاقتراب بالضمانات الاجتماعية والإعانات التي تصرف للمتعطلين من نقاباتهم أو من الدولة ، وبالرعاية الصحية المجانية ، وبالخدمات المجانية العامة .. الخ ، فإنها لم تبلغ بعد الحد الذي التزمت به الدولة الشيوعية ، فضلاً عن كونها قد فعلت ما فعلت لا بدافع إنساني ولكن خوفاً من الشيوعية ، من جهة ، وخوفاً من الضرر الذي يلحقها إذا لم تستجب لطلبات العمال المطالبين بهذه الحقوق .
ولكن لنا على هذه الكفالة مجموعة من الملاحظات . إذا قسناها على الكفالة التي قررها الإسلام لكل فرد من أفراد الأمة قبل ذلك بثلاثة عشر قرنا من الزمان !
تكفل الدولة الشيوعية أفرادها على الحد الأدنى الذي وصفناه من قبل ، ومع ذلك لا تكفلهم وهم كرماء على أنفسهم ولا على دولتهم ! ولا نتحدث الآن عن تكليفهم بالعمل ـ رجالاً ونساء ـ مقابل كفالتهم ، أي أن الدولة لا تتفضل عليهم بالكفالة إنما هي تجندهم لحسابها وتستصفي جهدهم كله قبل أن تعطيهم ضرورات حياتهم ، وتهددهم تهديداً صريحاً بقولها: من لا يعمل لا يأكل . . .
لا نتحدث الآن عن هذا ، فالعمل على أي حال هو الأصل في حياة الإنسان وليست البطالة هي الأصل . . ولكنا نقول إن الدولة الشيوعية بإلغائها الملكية الفردية والعمل الحر ، وتحويل كل الناس أجراء للدولة ، إنما تستذلهم في الواقع بلقمة الخبز ، فلا يملكون أن يتوجهوا بكلمة نقد واحدة للقائمين بالأمر خوفاً على لقمة الخبز أن تضيع . . وذلك بخلاف الإرهاب بالحديد والنار والتجسس ، الذي يزيد من مذلة الناس وانكماشهم وخضوعهم للظلم الواقع عليهم دون التفوه بكلمة أو إشارة تدل على عدم الارتياح فضلاً عن الاحتجاج الصريح .
ولقد زعمت الشيوعية أن الذل الوحيد في الأرض هو عمل الإنسان أجيراً لإنسان آخر ، وزعمت أنها هي التي ستخلص الناس من الظلم وتمنع الاستغلال حين تمنع تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر .
نعم . . . ولكن ما الفرق بين تأجير جهد الإنسان لإنسان آخر ، وتأجيره"للدولة"التي هي شخص معنوي في الكلام فقط ، ولكنها في الواقع مجموعة من البشر يحملون من السلطان ما يجبرون به الناس على أداء العمل الذي يطلبونه منهم ، وما يعاقبونهم به إذا قصروا في أدائه ؟ وأيهما أذل ـ في عالم الواقع ـ الأجير الذي يملك ولو ذرة واحدة من الحرية في اختيار شخص (( السيد ) )الذي يبيع له جهده ، والمساومة على زيادة هذا الأجر ، والاحتجاج على انخفاضه إذا رآه كذلك ، أم الأجير الذي لا يملك ذرة من الحرية في تلك الأمور كلها ، لا اختيار نوع العمل ولا مكانه ، ولا اختيار (( السيد ) )الذي يخدمه ـ فهو مفروض عليه بالحديد والنار ـ ولا حق الاحتجاج على الأجر المنخفض ولا طلب زيادته .. وإن فتح فمه بكلمة يموت جوعاً ، إن لم يمت بوسيلة أخرى غير الجوع ؟!
وأية سفسطة تلك التي تقول إن الذل لا يكون قائماً حين تكون (( الدولة ) )هي التي تسخر الناس للعمل وهي التي تمنح الأجور؟! ما تعريف الذل ؟! وما اسم ذلك الإحساس الذي يحسه الإنسان حين يجد أنه لا يملك حريته في أي أمر من الأمور، وأن عليه أوامر ينبغي أن يطيعها ، وواجبات ينبغي أن يؤديها ، دون أن يكون له حق الاعتراض على شيء من الأشياء ؟!
أم يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ؟!
يحلونه إذا كان صادراً منهم ومحققاً لمصلحتهم ، ويحرمونه إذا صدر من غيرهم أو لم يكن في صالحهم ؟(
4 ـ ) أما قضية المساواة في الأجور فلا تزيد على أن تكون واحدة من الأساطير الكثيرة التي بددها التطبيق .
في عهد لينين والجزء الأول من عهد ستالين طبقت روسيا مبدأ المساواة في الأجور لجميع العمال في الاتحاد السوفيتي . ولكن هل كانت هناك مساواة عامة في الأجور بالنسبة لكل العاملين ؟
هل كان أجر المهندس كأجر العامل ؟ وأجر الطبيب كأجر الممرض ؟ وأجر الجندي كأجر الضابط ؟
إن هذا بداهة مستحيل !
ومع استحالته فقد ظلت النظرية الشيوعية تنافح عن قضية المساواة وتندد بقضية التفاوت في الأرزاق !
ثم جاء اليوم الذي انهارت فيه المساواة حتى في صفوف العمال أنفسهم ، بعد أن كانت منهارة ما بين العمال وغيرهم من العاملين . فقد لجأ ستالين ـ كما أسلفناـ إلى إباحة العمل بعد الوحدة الإجبارية الأولى لقاء أجر إضافي ينفق في (( الكماليات ) ).. وهكذا ضاعت المساواة تماماً ولم يعد لها وجود! ( .
5 ـ أما إلغاء الدّين فهو الأمر الذي نجح فيه الماركسيون في بلادهم !! فقالوا بأنه ( أفيون الشعب ) وخدرها .