فهرس الكتاب
تفتق ذهنه عن فكرة أخرى رآها تحل له مشاكله وتريحه من عناء التفرق والانقسام والخلافات بين الفرق والأديان والمذاهب تلكم الفكرة هي فكرة (الإنسانية) ! وهي فكرة ( خيالية ) يتوهم بها الحمد أن يعيش الناس ـ من خلالها ـ إخوة متحابين ، لا تفرق بينهم الأديان ، وإنما هم بشر متساوون فيما بينهم كتساوي أسنان المشط .
ـ يقول الحمد على لسان هشام:
)لماذا لا نتعامل مع الإنسان بصفته إنساناً أولاً ، أي صفته الأولى التي خرج بها إلى الحياة ، ثم تأتي اللواحق كأن يكون بروليتاريا أو برجوازياً عربياً أو أعجمياً؟… نحن نتعامل مع الناس بصفاتها اللاحقة وننسى الصفة الأولى التي أتي بها إلى الحياة ، ويخرج منها بها . . لو بحثت في أعماق الناس المستورة لوجدتهم مثل بعضهم ولكن قاتل الله اللواحق . . .
وضحك عبد الله وهو يقول:
ـ هل تريد أن تعرج بنا على فرويد وصحبه ؟
فضحك هشام أيضاً وهو يقول:
ـ ولا فرويد ولا عبد المتجلي . . أتدري من يطوف بخيالي الآن ؟
ـ من يا صاحب الحكمة ؟
ـ غاندي . . . المهاتما غاندي .
وبانت نظرات الاستغراب وجه عبد الله وهو يقول:
ـ غاندي ؟! . . قديس الهند . . . ما علاقته بكل هذيانك ؟
ـ كل العلاقة . . .
قال هشام وهو ينفخ الدخان إلى الأعلى:
ـ عندما كان يتعامل مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا ، ومع الاستعمار البريطاني في الهند ، لم يكن يقسم الناس إلى مستعمرين ومستعَمرين ، طبقات وفئات وجماعات متصارعة ، بل كان يتعامل مع الحس الإنساني المطمور في داخل الجميع . . . لم يكن يقاوم العنف بالعنف ، لأن العنف يأتي بالعنف بشكل تصاعدي ، ولكنه كان يتحمل عنف وقسوة الآخرين حتى الدرجة التي يستثير فيها حسهم الداخلي بالتعاطف معه ، ومن ثم يدركون أنهم مخطئون وظالمون . . . وقد نجح( 157
ويقول: )الإنسان لا يكون نفسه عندما يكون مقيداً بأي نوع من القيود ، قيود اجتماعية أو سياسية أو تنظيمية ، أو أي نوع من القيود التي تستر جوهر الإنسان فيه(158 .
قلت: لقد كذب الحمد على نفسه ثم صدقها ، حيث تخيل أن يعيش الناس متحابين في ما بينهم ، متعاونين متآزرين . . . ثم ادعى أن هذا هو حال الإنسان قبل الأديان والمذاهب . ولو صدق الحمد مع نفسه لعلم أن الإنسان الأول وهو آدم كان على دين التوحيد الخالص ، وهو الإسلام ، وهكذا أبناؤه وأحفاده إلى أن حدث الشرك في الأرض ، وعندها بدأ الانحراف ، وبدأت المذاهب الباطلة تنتشر بين البشر . وقد قال تعالى مبيناً هذا {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} 159 .
قال ابن عباس: ) كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق ( 160 .
فلو صدق الحمد مع نفسه لكان مسلماً موحداً ، لأن هذا هو ما كانت (الإنسانية ) عليه فيما مضى إلى أن حدث الانحراف ، وهذا هو الموافق للفطرة التي يحملها الإنسان عند ولادته كما أخبرe:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأ بواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"161
أما الدعوة ( الإنسانية ) التي يدعو إليها الحمد فهي دعوة باطلة لأنها تساوي بين الحق والضلال ، وبين دين الإسلام وغيره من الأديان الباطلة ، وبين التوحيد والشرك ، وبين المسلمين والمشركين والكافرين ، وقد قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} 162.
وقال سبحانه {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} 163
يقول الشيح محمد قطب ـ حفظه الله ـ: ( ولكن أناساً قد يخدعون بدعوى الإنسانية لما فيها من بريق فيؤمنون بها أو يدعون إليها غافلين عند الحقيقة التي تنطوي عليها وقد لا يصدقون أصلاً أنها دعوة إلى التحلل من الدين يبثها الشياطين في الأرض لأمر يراد ) 164.
قال الشيخ بكر أبو زيد ـ حفظه الله ـ عن الإنسانية: ( اتسع انتشار هذه اللفظة البراقة بين المسلمين عامتهم وخاصتهم ، ويستملح الواحد نفسه حين يقول: هذا عمل"إنساني"وهكذا حتى في صفوف المتعلمين والمثقفين ، وما يدري المسكين أنها على معنى"ماسونية"وأنها كلمة يلوكها بلسانه ، وهي حرب عليه ، لأنها ضد الدين ، فهي دعوة إلى أن نواجه المعاني السامية في الحياة بالانسانية لا بالدين ) 165 .
قلت: وانظر لبطلان هذه الدعوة: كتاب ( مذاهب فكرية معاصرة ) للشيخ محمد قطب ، وكتاب ( الإسلام والدعوات الهدامة ) للأستاذ أنور الجندي .
أما عن مدح الحمد للهندوسي المتعصب غاندي بأنه إنساني النزعة ، فانظر حقيقة هذا في كتاب ( مشاهداتي في الهند ) للشيخ محمد المجذوب حيث بين حقيقة هذا الهندوسي الذي خدع كثيراً من المسلمين ( بانسانيته !) وذكر شيئاً من قبائحه .