فهرس الكتاب
فهل سيوافقنا على هذا القول أم لا ؟ إن وافقنا علمنا فساد عقله ، وإن خالفنا علمنا فساد قوله ، وبطلان حجته .
12 ـ المحتج بالقدر على المعاصي شبه نفسه بالمجانين ، والصبيان ، فهم غير مكلفين ، ولا مؤاخذين ، ولو عومل معاملتهم في أمور الدنيا لما رضي .
13 ـ لو قبلنا هذا الاحتجاج الباطل لما كان هناك حاجة للإستغفار ، والتوبة ، والدعاء ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
14 ـ لو كان القدر حجة على المعائب والذنوب لتعطلت مصالح الناس ،ولعمت الفوضى ، ولما كان هناك داع للحدود ، والتعزيرات ، والجزاءات ، لأن المسيىء سيحتج مع القدر ، ولما احتجنا لوضع عقوبات للظلمة ، وقطاع الطريق ، ولا إلى فتح المحاكم ، ونصب القضاء ، بحجة أن كل ماوقع إنما وقع بقدر الله ، وهذا لا يقول به عاقل .
15 ـ أن هذا المحتج بالقدر الذي يقول: لا نؤاخذ ، لأن الله كتب ذلك علينا ، فكيف نؤاخذ بما كتب علينا ؟
يقال له: إننا لا نؤاخذ على الكتابة السابقة ، إنما نؤاخذ بما فعلناه ، وكسبناه ، فلسنا مأمورين بما قدره الله لنا ، أو كتبه علينا ، وإنما نحن مأمورين بالقيام بما يأمرنا به ، فهناك فرق بين ما أريد بنا ، وما أريد منا ، فما أراده طواه عنا ، وما أراده منا أمرنا بالقيام به .
ومما تجدر الإشارة إليه أن احتجاج كثير من هؤلاء ليس ناتجاً عن قناعة وأيمان ، وانما هو ناتج عن نوع هوى ومعاندة ، ولهذا قال بعض العلماء فيمن هذا شأنه:"أنت عند الطاعة قدري ، وعند المعصية جبري ، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به"214.
يعني أنه إذا فعل الطاعة نسب ذلك نفسه ، وأنكر أن يكون الله قدر ذلك له ، وإذا فعل المعصية احتج بالقدر .
وبالجملة فإن الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ، أو ترك الطاعات احتجاج باطل في الشرع ، والعقل ، والواقع .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عن المحتجين بالقدر:"هؤلاء القوم إذا أصروا على هذا الاعتقاد كانوا أكفر من اليهود والنصارى"215.
متى يسوغ الاحتجاج بالقدر ؟
يسوغ الاحتجاج بالقدر عند المصائب التي تحل بالإنسان كالفقر ، والمرض ، وفقد القريب ، وتلف الزرع ، وخسارة المال ، وقتل الخطأ ، ونحو ذلك ؛ فهذا من تمام الرضا بالله رباً ، فالاحتجاج إنما يكون على المصائب ، لا المعائب ،"فالسعيد يستغفر من المعائب ، ويصبر على المصائب ، كما قال ـ تعالى ـ {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} 216 . والشقي يجزع عند المصائب ، ويحتج بالقدر على المعائب"217.
ويوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً قتل آخر عن طريق الخطأ ، ثم لامه من لامه ، واحتج القاتل بالقدر ، لكان احتجاجه مقبولاً ، ولا يمنع ذلك من أن يؤاخذ .
ولو قتل رجلٌ رجلاً عن طريق العمد ثم قُرَّع القاتل ووُبَّخ على ذلك ، ثم احتج بالقدر ، لم يكن الاحتجاج منه مقبولاً ؛ ولهذا حج آدم موسى ـ عليهما السلام ـ كما في قولهe في محاجتهما:"احتج آدم وموسى فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة ؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه ، ثم تلومني على أمر قد قدّر علي قبل أن أخلق ؟ فحج آدم موسى"218 .
فآدم ـ عليه السلام ـ لم يحتج بالقدر على الذنب كما يظن ذلك بعض الطوائف ، وموسى ـ عليه السلام ـ لم يلم آدم على الذنب ؛ لأنه يعلم أن آدم استغفر ربه وتاب ، فاجتباه ربه ، وتاب عليه ، وهداه ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له .
ولو أن موسى لام آدم على الذنب لأجابه: إنني أذنبت فتبت ، فتاب الله علي ، ولقال له: أنت يا موسى ـ أيضاً قتلت نفساً ، وألقيت الألواح إلى غير ذلك ، إنما احتج موسى بالمصيبة فحجه آدم بالقدر .219.
"فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له ؛ فإنه من تمام الرضا بالله رباً ، أما الذنوب فليس لأحد أن يذنب ، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب ، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب"220.
وممن يسوغ له الإحتجاج بالقدر التائبُ من الذنب ، فلو لامه أحد على ذنب تاب منه لساغ له أن يحتج بالقدر .
فلو قيل لأحد التائبين: لم فعلت كذا وكذا ؟ ثم قال: هذا بقضاء الله وقدره ، وأنا تبت واستغفر ، لقُبل منه ذلك الاحتجاج 221.
ثم إنه لايسوغ لأحد أن يلوم التائب من الذنب ، فالعبرة بكمال النهاية ، لابنقص البداية) .
الماركسيون جبريون:
وليعلم ـ بعد هذا ـ أن الماركسيون الذين يدين (هشام العابر! ) بدينهم هم من الجبريين في مسألة القدر ، ولهذا رأينا ( هشام العابر) 222الماركسي ينصر هذا المذهب .
يقول الاستاذ أنور الجندي: ( كل الدعوات الفلسفية الحديثة المادية الاتجاه: من الدارونية إلى الماركسية تُسقط الإرادة الحرة ، وتُعلن الجبرية ) 223.
تركي الحمد يتنقص في ثلاثيته:
الله وملائكته وكتبه ورسله ودينه وعباده الصالحين
تنقص الحمد الله ـ عز وجل ـ: