فهرس الكتاب

الصفحة 14496 من 27364

وحيث أن تركي ا لحمد قد أيد مذهبهم ، واحتج على المعاصي والآثام التي يرتكبها ( هشام العابر ) بالقدر كقوله:

( كتب علينا أن نخطئ ) 203.

فإن الرد سيكون منصباً على مسألة: هل يجوز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي ؟

فأقول:

الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الواجبات:

(الإيمان بالقدر لا يمنح العاصي حجة على ما ترك من الواجبات ، أو فَعَلَ من المعاصي .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذنب باتفاق المسلمين ، وسائر أهل الملل ، وسائر العقلاء ؛ فإن هذا لو كان مقبولاً لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النفوس وأخذ الأموال ، وسائر أنواع الفساد في الأرض ، ويحتج بالقدر. ونفس المحتج بالقدر إذا اعتدي عليه ، واحتج المعتدي بالقدر لم يقبل منه ، بل يتناقص، وتناقض القول يدل على فساده ، فالا حتجاج بالقدر معلوم الفساد في بداية العقول"204.

وبما أن هذا الأمر مما يعم به البلاء فهذا إيراد لبعض الأدلة الشرعية والعقلية ، والواقعية التي يتضح من خلالها بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي أو ترك الطاعات .

1ـ قال الله- تعالى -: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} 205 فهؤلاء المشركون احتجوا بالقدر على شركهم ، ولو كان احتجاجهم مقبولاً صحيحاً ما أذاقهم الله بأسه.

2ـ قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} 206

فلو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لما كان هناك داع لأرسال الرسل .

3ـ أن الله أمر العبد ونهاه ، ولم يكلفه إلا ما يستطيع ، قال ـ تعالى ـ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } 207، وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} 208.

ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه ، وهذا باطل ، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل ، أو إكراه ، فلا إثم عليه لأنه معذور .

4ـ أن القدر سر مكتوم ، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه ، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله ، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علم بقدر الله ، فادعاؤه أن الله قدر عليه كذا وكذا ادعاء باطل ؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب ، والغيب لا يعلمه إلا الله ، فحجته إذاً داحضة ؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه .

5ـ أننا لو سلمنا للمحتج بالقدر على الذنوب لعطلنا الشرائع .

6ـ لو كان الاحتجاج بالقدر ـ على هذا النحو ـ حجة لقبل من إبليس الذي قال: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} 209.

7ـ ولو كان حجة هؤلاء مقبولة ـ أيضاً ـ لتساوى فرعون عدو الله ، مع موسى كليم الله ـ عليه السلام ـ .

8ـ الاحتجاج بالقدر على الذنوب والمعائب تصحيح لمذهب الكفار ، وهذا لازم لهذا المحتج ، لا ينفك عنه .

9ـ ولو كان حجة لا حتج به أهل النار ، إذا عاينوها ، وظنوا أنهم مواقعوها ، كذلك إذا دخلوها ، وبدأ توبيخهم وتقريعهم ، هل يحتجون بالقدر على معاصيهم وكفرهم ؟

الجواب: لا ؛ بل إنهم يقولون كما قال ـ عز وجل ـ عنهم: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ } 210، ويقولون: ( ربنا غلبت علينا شقوتنا ) 211 ، وقالوا: { لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} 212، وقالوا: {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} 213، إلى غير ذلك مما يقولون .

ولو كان الاحتجاج بالقدر على المعاصي سائغاً لا حتجوا به ؛ فهم بأمس الحاجة إلى ما ينقذهم من نار جهنم .

10 ـ ومما يرد هذا القول ـ أيضاً ـ أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه في أمور دنياه حتى يدركه ، ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر .

فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر ؟!

وإليك مثالاً يوضح ذلك: لو أراد إنسان السفر إلى بلد ، وهذا البلد له طريقان ، أحدهما آمن مطمئن ، والآخر كله فوضى واضطراب ، وقتل ، وسلب ، فأيهما سيسلك ؟

لاشك أنه سيسلك الطريق الأول ، فلماذا لا يسلك في أمر الآخرة طريق الجنة دون طريق النار ؟

11 ـ ومما يمكن أن يُرد به على هذا المحتج ـ بناء على مذهبه ـ أن يقال له: لا تتزوج ، فإن كان الله قد قضى لك بولد فسيأتيك ، وإلا فلن يأتيك ، ولاتأكل ولا تشرب ، فإن قدر الله لك شبعاً ورياً فسيكون ، وإلا فلن يكون ، وإذا هاجمك سبع ضار فلا تفر منه ، فإن قدر الله لك النجاة فستنجو ، وإن لم يقدرها لك فلن ينفعك الفرار ، وإذا مرضت فلا تتداو ، فإن قدر الله لك شفاءً شفيت ، وإلا فلن ينفعك الدواء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت