فهرس الكتاب
الفرق بين الإرادتين: بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية فروق تميز كل واحدة منهما عن الأخرى ، ومن تلك الفروق ما يلي:
1ـ الإرادة الكونية قد يحبها الله ويرضاها ، وقد لا يحبها ولا يرضاها أما الشرعية فيحبها الله ويرضاها ؛ فالكونية مرادفة للمشيئة ، والشرعية مرادفة للمحبة .
2ـ الإرادة الكونية قد تكون مقصودة لغيرها كخلق ابليس مثلاً ، وسائر الشرور ؛ لتحصل بسببها محاب كثيرة كالتوبة ، والمجاهدة ، والاستغفار .
أما الشرعية فمقصودة لذاتها ؛ فالله أراد الطاعة وأحبها ، وشرعها ورضيها لذاتها .
3ـ الإرادة الكونية لابد من وقوعها ؛ فالله إذا شاء شيئاً وقع ولا بد ، كإحياء أحد أو إماتته ، أو غير ذلك .
أما الشرعية كالإسلام ـ مثلاً ـ فلا يلزم وقوعها ، فقد تقع وقد لا تقع ، ولو كان لابد من وقوعها لأصبح الناس كلهم مسلمين .
4ـ الإرادة الكونية متعلقة بربوبية الله وخلقه ، أما الشرعية فمتعلقة بألوهيته وشرعه.
5ـ الإرادتان تجتمعان في حق المطيع ، فالذي أدى الصلاة ـ مثلاً ـ جمع بينهما ؛ وذلك لأن الصلاة محبوبة لله ، وقد أمر بها ورضيها وأحبها ، فهي شريعة من هذا الوجه ، وكونها وقعت دل على أن الله أرادها كوناً فهي كونية من هذا الوجه ؛ فمن هنا اجتمعت الإرادتان في حق المطيع .
وتنفرد الكونية في مثل كفر الكافر ، ومعصية العاصي ، فكونها وقعت فهذا يدل على أن الله شاءها ؛ لأنه لا يقع شيء الإ بمشيئته ، وكونها غير محبوبة ولا مرضية لله دليل على انها كونية لا شرعية .
وتنفرد الشرعية في مثل إيمان الكافر ، وطاعة العاصي ، فكونها محبوبة الله فهي شرعية ، وكونها لم تقع ـ مع أمر الله بها ومحبته لها ـ هذا دليل على أنها شرعية فحسب ؛ إذ هي مرادة محبوبة لم تقع .
6ـ الإرادة الكونية أعم من جهة تعلقها بما لا يحبه الله ولا يرضاه ، من الكفر والمعاصي ، وأخص من جهة أنها لا تتعلق بمثل إيمان الكافر ، وطاعة الفاسق .
والإرادة الشرعية أعم من جهة تعلقها بكل مأمور به ، واقعاً كان أم غير واقع ، واخص من جهة أن الواقع بالإرادة الكونية قد يكون غير مأمور به .
هذه فوارق بين الإرادتين ، فمن عرف الفرق بينهما سلم من شبهات كثيرة ، زلت بها أقدام ، وضلت بها أفهام ، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيراً ومن نظر إلى الشرع دون القدر أو العكس كان أعور ) .
ـ ( الإيمان بالقدر هو المحك الحقيقي لمدى الإيمان بالله تعالى على الوجه الصحيح ، وهو الاختبار القوي لمدى معرفة الإنسان بربه ـ تعالى ـ ، وما يترتب على هذه المعرفة من يقين صادق بالله ، وبما يجب له من صفات الجلال والكمال ، وذلك لأن القدر فيه من التساؤلات والاستفهامات الكثيرة لمن أطلق لعقله المحدود العنان فيها ، وقد كثر الاختلاف حول القدر ، وتوسع الناس في الجدل والتأويل لآيات القرآن الواردة بذكره ، بل وأصبح أعداء الإسلام في كل زمن يثيرون البلبلة في عقيدة المسلمين عن طريق الكلام في القدر ، ودس الشبهات حوله ، ومن ثم أصبح لا يثبت على الإيمان الصحيح واليقين القاطع الإ من عرف الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، مسلماً الأمر الله ، مطمئن النفس ، واثقاً بربه ـ تعالى ـ ، فلا تجد الشكوك والشبهات إلى نفسه سبيلاً ، وهذا ولا شك أكبر دليل على أهمية الإيمان به بين بقية الأركان ) .
ـ خالف أهل في مسألة القدر فرقتان رئيسيتان:
أولا هما: القدرية .
ثانيهما: الجبرية .
أما القدرية فقالوا:
( إن العبد مستقل بعلمه في الإرادة والقدرة ، ليس لمشيئة الله ـ تعالى ـ وقدرته في ذلك أثر .
ويقولون: إن أفعال العباد ليست مخلوقة الله ، وإنما العباد هم الخالقون لها ، ويقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله .
وغلاتهم ينكرون أن يكون الله قد علمها ، فيجحدون مشيئته الشاملة ، وقدرته النافذة ، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة ؛ لأنهم شابهوا المجوس الذين قالوا: إن للكون إلهين: إله النور: وهو خالق الخير ، وإله الظلمة: وهو خالق الشر .
وأما الجبرية ـ وهم الذين يؤيد الحمد مذهبهم ـ
فإنهم ( غلو في إثبات القدر ، حتى أنكروا أن يكون للعبد فعل ـ حقيقة ـ بل هو في زعمهم لا حرية له ولا فعل ، كالريشة في مهب الريح ، وإنما تسند إليه الأفعال مجازاً ، فيقال: صلى وصام ، وقتل ، وسرق ، كما يقال: طلعت الشمس ، وجرت الريح ، ونزل المطر ، فاتهموا ربهم بالظلم ، وتكليف العباد بما لا قدرة عليه ، ومجازاتهم على ما ليس من فعلهم ، واتهموه بالعبث في تكليف العباد ، وأبطلوا الحكمة من الأمر والنهي ، ألا ساء ما يحكمون .
وهؤلاء في الحقيقة يزعمون أن الله هو الفاعل الحقيقي لأفعالهم ، بخلاف ما عليه أهل السنة ، الذين يقولون: إن الله هوالخالق ، والعبد هو الفاعل ، ولذا ترتب على فعله الثواب والعقاب .
هؤلاء ـ الجبرية ـ يسمون بالقدرية المشركية ، لأنهم شابهوا المشركين في قولهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا ءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} 202 .