فهرس الكتاب
( قول القائل: هذا فعل هذا ، وفعل هذا: لفظ فيه إجمال ، فإنه تارة يراد بالفعل نفس الفعل ، وتارة يراد به مسمى المصدر ، فيقول: فعلت هذا أفعله فعلاً ، وعملت هذا أعمله عملاً ، فإذا أريد بالعمل نفس العمل الذي هو مسمى المصدر كصلاة الإنسان وصيامه ونحو ذلك ، فالعمل هنا هو المعمول ، وقد اتحد هنا مسمى المصدر والفعل وإذا أريد بذلك ما يحصل بعمله كنساجه الثوب ، وبناء الدار ونحو ذلك فالعمل هنا غير المعمول ، قال -تعالى - {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} 189 فجعل هذه المصنوعات معمولة للجن ، ومن هذا الباب قوله ـ تعالى ـ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 190. أي والله خلقكم وخلق الأصنام التي تنحتونها … والمقصود أن لفظ"الفعل"و"العمل"و"الصنع"أنواع ، وذلك كلفظ البناء والخياطة والتجارة تقع على نفس مسمى المصدر ، وعلى المفعول ، وكذلك لفظ"التلاوة"و"القراءة"و"الكلام"و"القول"يقع على نفس مسمى المصدر ، وعلى ما يحصل بذلك من نفس القول والكلام ، فيراد بالتلاوة والقراءة نفس القرآن المقروء والمتلو ، كما يراد بها مسمى المصدر .
والمقصود أن القائل إذا قال: هذه التصرفات فعل الله ، أو فعل العبد ، فإن أراد بذلك أنها فعل الله بمعنى المصدر ، فهذا باطل باتفاق المسلمين ، وبصريح العقل ، ولكن من قال هي فعل الله وأراد به أنها مفعولة مخلوقة لله كسائر المخلوقات فهذا حق"، ثم وضح المسألة فقال"وأما من قال ( وهم جمهور أهل السنة ) : خلق الرب ـ تعالى ـ لمخلوقات ليس هو نفس مخلوقاته ، قال: إن أفعال العباد مخلوقة كسائر المخلوقات ، ومفعولة للرب كسائر المفعولات ، ولم يقل:إنها نفس فعل الرب وخلقه ، بل قال: إنها نفس فعل العبد ، وعلى هذا تزول الشبهة ، فإنه يقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتصف بها من كانت فعلاً له ، كما يفعلها العبد ، وتقوم به ، ولا يتصف بها من كانت مخلوقة له إذا كان قد جعلها صفة لغيره ، كم أنه ـ سبحانه ـ لا يتصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال ، والمقادير والحركات وغير ذلك ، فإذا كان قد خلق لون الإنسان لم يكن هو المتلون به، وإذا خلق رائحة منتنة ، أو طعماً مراً ، أو صورة قبيحة ، ونحو ذلك مما هو مكروه مذموم مستقبح ، لم يكن هو متصفاً بهذه المخلوقات القبيحة المذمومة المكروهة والأفعال القبيحة ، ومعنى قبحها كونها ضارة لفاعلها ، وسبباً لذمه وعقابه ، وجالبة لألمه وعذابه ، وهذا أمر يعود على الفاعل الذي قامت به لا على الخالق الذي خلقها فعلاً لغيره ) 191.
قال الشيح ابن سعدي ـ رحمه الله ـ: ( إن الله كما أنه الذي خلقهم ـ أي الناس ـ ، فإنه خلق ما به يفعلون من قدرتهم وإرادتهم ؛ ثم هم فعلوا الأفعال المتنوعة: من طاعة ومعصية ، بقدرتهم وإرادهم اللتين خلقها الله ) 192.
ـ ( أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يفعل مايفعل لحكمة يعلمها هو ، وهو يُعْلم العباد أو بعض العباد من حكمته ما يطلعهم عليه ، وقد لا يعلمون ذلك ، والأمور العامة التي يفعلها تكون لحكمة عامة ورحمة عامة كإرساله محمدe كما قال ـ تعالى ـ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} 193يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ"إنه سبحانه حكيم ، لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة ، وهي الغاية المقصودة بالفعل ، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل ، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل ، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا"194، وأدلة أهل السنة مستفيضة في الكتاب والسنة لا تخفى على من له أدنى إلمام بالكتاب والسنة ، وقد أطال ابن القيم النفس جداً للاستدلال لها ، فذكر أكثر من اثنين وعشرين نوعاً من الأدلة ، كل نوع يحوي مجموعة من النصوص ، وقد نقض في أثناء عرض الأدلة المذاهب المخالفة ، ورد عليها 195 ، كما رد ابن تيمية على المذاهب المخالفة وذكر الأدلة على صحة مذهب أهل السنة والجماعة 196، وهذا هو المذهب الحق في هذه المسالة ) .
ـ إرادة الله ـ عز وجل ـ على قسمين:
أ ـ إرادة كونية قدرية: وهي مرادفة للمشيئة ، وهذه الإرادة لا يخرج عن مرادها شيء ؛ فالكافر والمسلم تحت هذه الإرادة الكونية سواء ؛ فالطاعات ، والمعاصي ، كلها بمشيئة الرب ، وإرادته .
ومن أمثلتها قوله ـ تعالى ـ: {وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ } 197، وقوله: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } 198.
ب ـ إرادة شريعة دينية: وتتضمن محبة الرب ، ورضاه .
ومن أمثلتها قوله ـ تعالى ـ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} 199 وقوله: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } 200 ، وقوله {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } 201 .