فهرس الكتاب
( أكل هذا جزء من قدر إلهي ، أم هو عبث شيطاني ، أم هي حكمة لا ندريها، مختبئة في عباءة قدر عابث ، أو عبث قادر ؟ لا أحد يدري ، فالله والشيطان واحدٌ هنا ، وكلاهما وجهان لعملة واحدة … الصورة وعكسها ، ولكن الكائن واحد . الحياة كلها سؤال بلا جواب ) 177.
( بأي منطق يموت طفل صغير لم يكد يتنسم ريح الحياة وأريج الزهور ؟ إن كان هناك منطق ومعنى في وجوده ، فكيف يختفي قبل أن يمنح فرصة الوجود ؟ وإن يكن هناك منطق في موته ، فلماذا يوجد أصلاً ؟ وإن لم يكن هناك منطق في وجوده أو في موته ، فلماذا يوجد ويموت ؟ بل بأي منطق تموت ذبابة حقيرة نسحقها لأنها مؤذية ولا تستحق الحياة ؟ إذا كانت مؤذية ولا تستحق الحياة ، فلماذا وجدت ؟ وإذا كان لها حق في الحياة ، فلماذا تقتل ؟ من الذي يحدد من يؤذي من ؟ هل ما يجري هو حكمة خافية لا ندريها ، أو أنه مجرد عبث اعتدناه فأصبح نظاماً ، أم مزيج منهما ، أم ولا هذا ولا ذاك ؟ أين المعنى في كل ذلك وما هو النظام ؟ لا أحد يدري ، ولن يدري أحد ، فربما كتب علينا أن نعيش ونموت ونحن ملفوفون في خرق بالية من الجهل والضياع . قد لا يكون ذلك الجهل جزءاً من الحكمة الخفية ، أو من العبث المعربد ، ولكنه يبقى جهلاً ) 178.
قلت: بهذا النقول السابقة من ثلاثية الحمد ، يتضح لنا أنه متحير في مسألة القضاء والقدر وهي أحد أركان الإيمان ـ كما هو معلوم ـ
وبتأمل عباراته نجده يميل إلى:
1ـ مذهب الجبرية الذين يقولون بأنه لا إرادة للعباد .
2ـ أن أفعال الله ـ تعالى ـ ليست لحكمة ، بل ربما تكون مجرد عبث !! تعالى الله عن ذلك .
لهذا فإنه لابد من توضيح هذه المسألة العظيمة التي خاض فيها الحمد دون علم ـ بل جهل وحيرة وتقليد لغيره ـ وسيكون هذا التوضيح متضمناً لذكر عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر ثم أقوال الفرق التي انحرفت فيها ـ ومن ضمنهم الجبرية الذين مال الحمد إلى قولهم ـ ثم الرد عليها .
فأقول مستعيناً بالله ـ:
ـ القدَر هو تقدير الله ـ تعالى ، الأشياء في القِدَم وعلمه ـ سبحانه ـ أنها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة ، وكتابته ـ سبحانه ـ لذلك ومشيئته له ، ووقوعها على حسب ما قدرها ، وخلقه لها .
ـ لا فرق بين ( القضاء ) و ( القدر ) في المعنى فكلٌ منهما يدل على معنى الآخر ـ على القول الصحيح ـ .
ـ الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي وردت في قولهe عندما سأله جبريل ـ عليه السلام ـ عن الإيمان:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره"179 وقد ورد ذكر القدر في القرآن في قوله تعالى: ( إنا كل شئ خلقه بقدر ) 180.
ـ مراتب القدر عند أهل السنة أربع:
أ ـ مرتبة العلم: أي أن الله علم ما الخلق عاملون ، بعلمه القديم وأدلة هذا كثيرة منه قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } 181.
ب ـ مرتبة الكتابة: أي أن الله كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ . ودليل هذا قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} 182 .
وقوله e"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن تخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنه183"
ج ـ مرتبة الإرادة والمشيئة: أي أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فلا يخرج عن إرادته شيء .
دليل هذا قوله تعالى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 184. ، وقوله: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} 185 .
د ـ مرتبة الخلق: أي أن الله ـ تعالى ـ خالق كل شيء ، ومن ذلك أفعال العباد ، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه ، لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} 186. وقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} 187. وقوله e:"إن الله يصنع كل صانع وصنعته"188.
قد يقول قائل هنا: إذا كانت أفعال العباد مخلوقة لله ، وهي فعل لهم حقيقة ، كيف نجمع بين هذين الأمرين ؟
والجواب كما قال شيخ الإسلام: