فهرس الكتاب

الصفحة 14877 من 27364

فمهما أراد النصراني أو اليهودي أن يتوب أو يصحح فليس أمامه إلا الدين المحرف، فيبقى كما هو، ينتقل من خطأ إلى خطأ، فليس أمامه طريق مستقيم، ولا مصدر يهديه إلى الحق.

ثم أرسل الله - تعالى -محمدا صلى الله عليه وسلم يحمل رسالة إلى البشرية كلها، يخالف أهواء الذين لا يعلمون، ويقيم الحق والعدل في الأرض، فتحرك الشيطان وجنده ليمارسوا ذات الطرق في حرب هذا الدين القويم..

فجربوا القوة والقتل والقهر والأذى، فلم يفد شيئا.. فأرادوا تحريف الدين فامتنع عليهم..

فأما القرآن فقد عجزوا عن أن يأتوا بمثله، أو أن يزيدوا فيه أو ينقصوا، فاتجهوا إلى السنة، فوجدوا طريقا ظنوا في بداية الأمر أنه الطريق لتحطيمه وتحريفه، فوضعوا الأحاديث المكذوبة، وأكثروا منها، حتى إن أحد الزنادقة الوضاعين وضع ما يقارب أربعين ألف حديث..

هنا تصدى علماء السنة لهذا الهجوم على الشرعة المحمدية فوضعوا القواعد المتينة للتمييز بين الصحيح والضعيف من الأحاديث، فنخلوا المتون والأسانيد، وتميز الحق من الباطل، فسد الباب أمام المحرفين، فتحقق وعد الله - تعالى - بحفظ الذكر الذي أنزله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .

ولما امتنع عليهم تحريف القرآن والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى إليهم الشيطان بحيلة أخرى، هو التبديل، فعادوا على الوحي يحاولون تبديله، حتى لا يجد المصلحون مرجعا يصححون عليه الفساد الطارئ على البشرية..

لجؤوا إلى تبديل المعاني الشرعية والقيم، فجعلوا السنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرا، والمنكر معروفا، والتوحيد تخلفا، والشرك تقدما، والفضيلة رذيلة، والرذيلة فضيلة، وهكذا..

ونجحوا إلى حد كبير فصار المسلمون يقرأون كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على غير مراد الله إلا من رحم الله، وتواصى أعداء البشرية على هذا التبديل، وكانت الأداة الكبرى لهذا التبديل: المنهج العقلي.

المنهج العقلي وأثره في الأصول والفروع

لقد أثر المنهج العقلي الذي دخل على الأمة الإسلامية بعد ترجمة كتب اليونان بأمر المأمون أثرا بالغ السوء في أصول الإسلام وفروعه، ما يزال المصلحون يعانون منه، وكان فحوى المنهج العقلي:

"أن العقل له حق تعطيل النص بجميع أفراده بحكم المصلحة"..

وكان من آثار تحكيم العقل على النص تعطيل دلالة النصوص الشرعية، وإطلاق القول بأنها لا تفيد العلم، أو أنها ظنية، وبذلك قدم العقل وعطل النقل.

وهذا هو التغيير والتبديل..

فمن الآثار السيئة التي ترتبت على هذه الأفكار الخطيرة:

أن تزحزح مفهوم ثبات الشريعة عند كثير من المسلمين وبعض الدارسين للفقه الإسلامي، وانتشر هذا الأثر السيء، فأصبح النظر في المسائل الدينية مشاعا لكل أحد، علم أو جهل، ولو كان يفتقر لآلات العلم الشرعي التي لا بد منها للنظر والحكم، فضعف سلطان الشريعة على كثير من النفوس..

وليس ذلك بعجيب، لأنه إذا ضعف سلطانها على قلوب بعض المنتسبين للعلم فأعطوا العقل حق الحكم على النص بإلغاء مقتضياته، فإنه لا بد من أن يترك هذا المسلك الفاسد أثره داخل الأمة الإسلامية..

ومن هنا كان من المهم التعرف على منهج السلف في الاستدلال والتفريق بينه وبين المناهج المبتدعة قديما وحديثا، ومن المهم أيضا معرفة منزلة الشريعة، وبيان أن الشارع هو الله - تعالى -، وأن النسخ والتبديل ليس لغيره:

{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} ..

{ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} ..

كما أن الحكم وإرسال الرسل ليس لسواه - سبحانه -.

بدأت فتنة المنهج العقلي على يد أهل الكلام، خاصة المعتزلة، الذين عاصروا فترة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية في عهد المأمون ت 218هـ، وأخذوا عنها..

فهذا أبو الهذيل العلاف ت232هـ أول معتزلي استفاد من كتب الفلاسفة، وقد شهد له تلميذه النظام بذلك (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة 261) ، وذكر عنه الشهرستاني اقتباسه من الفلاسفة (الملل والنحل 1/50) ..

وأما النظام تلميذه فقد حفظ كتاب أرسطا طاليس في الفلسفة والمنطق، وقد قال تلميذه الجاحظ:"ما رأيت أعلم بالكلام من النظام"، وقد شهد النظام على نفسه بذلك (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة 264) ، وقال الشهرستاني:"طالع كثيرا من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة" (الملل والنحل 1/53)

لقد بدأ هذا المنهج على يد واصل بن عطاء ت 151هـ الذي زعم أن الخبر لا يكون حجة إلا إذا سلم من التواطؤ..

ثم تبلور على يد العلاف حيث جعل الرواية للأخبار ريبة، وأن الحق في المقاييس العقلية..

ثم أعلن النظام أن الحجة العقلية قادرة على نسخ الأخبار..

فاستقر الأمر عند المعتزلة على أن الحجة تعرف بالنظر العقلي، وأن الشريعة قرآنا وسنة لا يصح الاحتجاج بها على إفادة العلم.

فالقول بظنية الأدلة النقلية دين أحدثه أئمة المعتزلة ولم يعرف من قبل، وبدعة منكرة وشجرة خبيثة سقاها الفكر الفلسفي، واستظل بها أهل الأهواء وخدعوا بها كثيرا من الناس، وظنوا أنها من الدين، وما هي من الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت