فهرس الكتاب
لقد بليت الأمة بمن يعبث بدينها قديما وحديثا، ففي القديم انتشرت الفرق الضالة داخل جسد الأمة كالخوارج والمرجئة وأهل الكلام والشيعة والصوفية فسعت في التحريف والتبديل مع إبقاء انتسابها إلى الكتاب والسنة..
وفي العصر الحديث تعرض الدين الإسلامي لهجمة شرسة من قبل أئمة الغزو الفكري الكامنين في بلدان الغرب..باسم الاستشراق تارة، وباسم الاستعمار تارة أخرى.
وقد استفادوا من تجربة الفرق الضالة التي انتشرت في بلاد الإسلام، فاجتمع جهدهم على حرب العقيدة الصحيحة النقية المنزلة من رب العالمين..
وبيان ذلك:
أن الغرب كفوا عن محاربة الدين صراحة، إلى حد ما، وأخذوا في طرق أخرى ملتوية، وقام مفكروهم بدراسة الكتاب والسنة وتاريخ الإسلام بغية التشويه، وجعلوا العقل والبحث العلمي رائدا لهم في استجازة الطعن في الدين بدعوى مناقضته للعقل والعلم..
وقد نشطوا في نشر المذاهب الفكرية الإلحادية التي تنادي بفصل الدين عن الحياة، وقد ساعد على تقبل المنهج الغربي القائم على تعبيد العقل والعلم وتقديمه على الدين، وتقبل كل ما يروج باسم العقل والبحث العلمي المجرد، ولو كان مناقضا للدين والفطرة، انتشار المنهج العقلي في الأمة على يد أهل الكلام، حيث كانوا من دعاة هذا المنهج وحملته، ذلك المنهج الموروث عن الفلسفة اليونانية.
ولم يكن هؤلاء لينفذوا بكيدهم لولا تفريط المسلمين في دينهم:
{وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا} ..
فحقت عليهم سنة الله الجارية:
{ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ..
ولم تسلم القرون المفضلة الأولى إلا لثباتها على الدين والعقيدة كما أنزلت دون تبديل، أما الأجيال المتأخرة فقد سقطت في الفتنة لما كثر فيها الخبث وفرط كثير من علمائها في إقامة الحق، فكانت الخاتمة سقوط الخلافة وإحلال أهواء البشر محل شريعة الله.
لكن هل توقف الكيد بهذا الدين عند هذا الحد؟.
الجواب: في المقال التالي…
في المرة الماضية تحدثنا عن الهجوم التي تعرضت لها الشريعة، إرادة تعطيل أصولها وتغيير أحكامها، على يد المعتزلة الذين قدموا العقل على الشرع، ثم ألمحنا إلى طريقة المستعمر في حرب الشريعة باسم المنهج والبحث العلمي، وتوقفنا عند سؤال طرحناه فقلنا:
لكن هل توقف الكيد بهذا الدين عند هذا الحد؟.
واليوم نتابع حديثنا، لنبين الطريقة المستحدثة التي استخدمت لتعطيل أصول الشريعة وتغيير أحكامها، وهي وإن كانت مستحدثة إلا أنها في حقيقتها إحياء لطريقة المعتزلة قديما في تقديم العقل، وتعطيل النص الشرعي، فنقول جواب عن السؤال الآنف:
لم يتوقف توقف الكيد عند هذا الحد..
فقد كان الغرب يعلم أنه مهما كاد للإسلام فلن يكون كيده بالقدر الذي يبتغيه، فالأجنبي ليس مأمونا، والمسلم لا يرجو من الكافر خيرا، فطبعه الحذر من أفكاره، والأصل فيه عدم قبول ما يأتي منه، خاصة إذا كان شيئا يتعلق بدينه، فهل يقبل مسلم من كافر أن يحدد له قيمه الدينية، أو أن يصحح له شيئا في دينه، أو يطعن في دينه صراحة أو تلميحا؟.
هنا كان لا بد من صنيعة يصنعها من أبناء المسلمين يحملون فكر الغرب وتراثه وأمجاده، يعيش بدنه في الشرق وروحه وعقله في الغرب..
فابتدأت البعثات الدراسية، وذهب أبناء المسلمين إلى الغرب لتلقي العلم والفكر معا..
وهناك أعاد الغرب تشكيل عقول هؤلاء الشباب، لقد كانت الظروف مواتية، فالغرب يعيش قمة حضارة مادية وعلمية واقتصادية حقيقية، وتنظيم رائع لا مثيل له في بلاد المسلمين، المتخلفة في كل ذلك، وهذا بحد ذاته سبب لهذه الفئة انبهارا كبيرا بالغرب، مما سهل عليهم احتواء هذه العقول وتوجيهها التوجيه اللازم المأمول..
فالعقل عقل ناشيء غر لم يلم بعد بحقيقة الأمور، وثقافته بالعلوم الشرعية ضئيلة إن لم تكن منعدمة، وذلك الأستاذ الغربي المجند لفتنة هؤلاء الفتية يتعامل بأحسن الأساليب والأخلاق والكرم..
وانطلت الحيلة، وصنع هؤلاء الفتية على أيديهم، صنعا يحقق لهم أهدافا كثيرا عجزوا عن تحقيقها بالوسائل السابقة، فغرسوا فيهم حب الغرب وتعظيم حضارة الغرب وفكره، وأنه لا يتعارض مع الإسلام، وإنما هو من باب تنوع الحضارات والثقافات..
فرجعت هذه الفئة إلى بلدانها وهي متشربة ومتشبعة بتلك الأفكار، وأساسها:
أن الغرب عظيم، وأن تقليده هو الطريق للتقدم، تقليده في كل شيء..
وأنه يجب أن ينظر إليه نظرة مختلفة، تختلف عن النظرة السابقة، نظرة المسلم إلى الكافر، نظرة العداوة بين المؤمنين والكافرين، فلا بد من إلغاء مبدأ الولاء والبراء، فلا مكان لمثل هذه المقولة في هذا العصر، ونادوا بالحوار بين الأديان: اليهودية والنصرانية والإسلام، والتسالم معها، والتعايش معها، وقبولها على أنها أديان حقة صحيحة، لا فضل لبعضها على الآخر..
وبدأ هذا الفريق المصنوع بأيدي الغرب يدعو إلى مذاهب الغرب، لكن محاولاته باءت بالفشل..