فهرس الكتاب
حيث تنبه المسلمون إلى حقيقة هذه الدعوة، ورأوا أن الغرب نفسه جاء للترويج عن مبادئه لكن بألسنة أبناء المسلمين، وهم وإن كانوا قد خدعوا حينا بتلك الأفكار، إلا أنه مع مرور الزمن ظهروا على حقيقة الأمر، وأن هذه الفئة ما هي إلا مروجة لمباديء الكفر والتبعية الغربية..
فنبذوهم ونظروا إليهم بعين الريبة والحذر، كما نظروا من قبل إلى الغرب نفسه في دسائسه وأفكاره، وبدأت بضاعتهم تبور وسوقهم يكسد، وبدأت الجماهير المسلمة تقبل على الإسلام وتلوذ به..
وفي هذه الفترة بدأت الصحوة الإسلامية، وكثر الدعاة إليها، وانتشروا في كل بلاد المسلمين، وأقبل الناس عليهم حين لمسوا صدقهم، وتحققوا من سلامتهم من التبعية للغرب الذي صار مكروها منبوذا ليس لضلال أفكاره ومبادئه فحسب، بل لجبروته وطغيانه، فقد شاهد المسلمون تدميره لبلادهم، وتسلطه على خيراتها، ومنعها من التقدم والازدهار.
ازدهرت الصحوة وكثر أتباعها، ومن لم، فلا أقل من التعاطف معها، وبدأت الخسارة تحيق بالفئة المستغربة المصنوعة بأيدي الغرب، وبدأ الناس ينفضون عنهم ويقبلون على من يقول:
قال الله، قال رسوله، قال الصحابة، قال السلف والأئمة..
وأعرضوا عن الذي يقول:
قال جان جاك رسو، قال بول سارتر، قال فرويد، قال دوركايم، دارون..
حيث لم يجدوا عندهم إلا الانهزامية وسوق الأمة إلى العبودية المقيتة لأعدائها.
وبعد أن سحب البساط من تحت أقدام الفئة المستغربة المصنوعة بأيدي الغرب، وصارت في أيدي دعاة الإسلام والدين الصحيح، وجد المستغربون أنفسهم بلا مأوى، مشردين، منبوذين، فجنحوا إلى خطوة ماكرة..
فأغرقوا الأمة في الشهوات، وبثوا في القنوات كل رذيلة، استخدموا سلاح الجنس لجر الناس إلى مبادئهم التي لا تكره الرذيلة وتمقت الفضيلة، فانتشرت الفضائيات وزادت الموضوعات التي تخاطب الغرائز بقوة..
لكن ومع ذلك ساءهم تنامي الشعور الإسلامي وتصاعد التمسك بالقيم الإسلامية، هنا بدأوا يراجعون خططهم، ويضعوا أيديهم على أسباب هذا الانحسار والتراجع والخسارة التي حاقت بهم، فنظروا وإذا بالجماهير المسلمة تحب الإسلام، مهما بعدت عن تعاليمه إلا أنها لا تتردد في التوبة والإقبال من جديد متى ما خوطبت بخطاب الموعظة والآية والحديث وأقوال سلف الأمة..
لقد ثبت لهم أن التدين كامن في قلوب الجماهير المسلمة، وأن غبار المعاصي والخطايا لا يمكن أن يمحو تدينهم وإيمانهم وحبهم لدينهم، فوضعوا أيديهم على الخيط الذي يمكرون به من جديد..
فإذا كان الخطاب الديني هو الرائج والمقبول عند جماهير المسلمين فلم لا يكون خطابهم ديني كذلك؟،
لم لا ينادون إلى مبادئهم من خلال نصوص الإسلام، ويحتجون عليها بالكتاب والسنة؟.
ساعدهم على هذه الخطوة الخبيثة وجود طوائف وفرق إسلامية ومنتسبة للإسلام استخدمت نفس الأسلوب من قديم، كالخوارج والمعتزلة والمرجئة والشيعة.
لقد تركزت الخطة الجديد لحرب الدين الإسلامي على نقطتين:
الأولى: الترويج من جديد لأفكار الفرق المبتدعة القديمة في الإسلام، والتي عملت على تبديل معاني الشريعة، مع إبقاء الانتساب إليها، كالقول بوجوب تقديم العقل على النقل إذا تعارضا.
الثانية: هدم فقه السلف وإلغاءه بالكلية، والدعوة إلى الاستقلالية في فهم نصوص الكتاب والسنة، بل وإلغاء أقوال العلماء كافة، والزعم بأن البحث والفتيا في مسائل الدين حق مشروع للجميع، بغض النظر عن المؤهلات!.
ومن هاتين النقطتين بدأت هذه الفئة ممارسة دورها في فتنة الجماهير المسلمة من جديد، فالآية والنص النبوي صار يفسر تفسيرا آخر، غير التفسير الذي جاء عن السلف: من صحابة وتابعين ومن تبعهم، بدعوى مواكبة روح العصر..
وفي هذا أخذوا يعتمدون إما على أقوال سابقة شاذة موافقة لأهوائهم، فإن لم يجدوا اجتهدوا بعقولهم في تفسير النصوص وفق مرادهم وأهدافهم، بما يتلاءم مع الأهداف التغريبية، وهكذا فعلوا مع كل نص يصطدم مع أهدافهم في تغريب المجتمع وإفساده، بدأ بنصوص وجوب الحكم بما أنزل الله إلى وجوب الحجاب ومنع الاختلاط ووجوب الولاء والبراء، وهكذا.
وفي سبيل ذلك طعنوا وذموا كل من يرجع إلى فقه السلف في تفسير النصوص الشرعية بوصفه أنه:
ظلامي، جامد على النص، رجعي، متخلف.. إلخ..
ومدح الأسلوب الجديد في تفسير النصوص بأنه تقدمي، حضاري، تنويري، متسامح، معتدل، وأن العصر يتطلب تفسير النصوص تفسيرا خاصا جديدا يتلاءم مع الظروف الحادثة.
ونبشوا في معتقدات الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة من رافضة وجهمية ومعتزلة، وأخرجوها للناس في صورة العقيدة الصحيحة النقية المتسامحة، وصوروا العقيدة السلفية بالمتشددة المتنطعة المتطرفة..
وأحيوا رموز البدع وطعنوا في رموز السنة، ابتداء بالإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله -، مرورا بابن تيمية وابن القيم، وانتهاء بالإمام محمد بن عبد الوهاب وسائر علماء المنتمين إلى المنهج السلفي، لعلمهم أن مجرد إسقاط تلك الرموز والأعلام إسقاط للمذهب من أصله.