فهرس الكتاب

الصفحة 14880 من 27364

كذلك فتشوا في الكتب بغية الوصول إلى آثار تدعم هدفهم في تبديل معاني الشريعة، ولم يعجزهم أن يجدوا شيئا من ذلك، بل أشياء، ومع أنها لم تكن دليلا يصلح الاحتجاج به، إلا أنهم رأوا فيها الحجة، مما دل على جهلهم المطبق بالشرع، مع كونهم قد جعلوا من أنفسهم مفسرين شارحين له.

فمن ذلك أنهم استدلوا بفعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في منعه إقامة حد قطع يد السارق عام الرمادة على جواز تعطيل العمل بالنص حين الحاجة.. هكذا زعموا، ولا ريب أن هذا منتهى الجهل.

فعمر - رضي الله عنه - لم يعطل العمل بالنص، بل منع إقامة حد من الحدود، لفترة معينة، لضرورة..

وفرق بين تعطيل النص، وتعطيل الحد الذي هو حكم، فالنص أعم من الحكم، فالنص يشمل الأخبار، وهي لا تعطل أبدا، إذ تعطيلها تكذيب لله - تعالى -، وهو كفر..

والنص يشمل كذلك الأحكام الظاهرة والباطنة..

والأحكام الباطنة، وهي التي تتعلق بالقلوب، كالولاء والبراء، لا تعطل أبدا، إذ لا سبيل للبشر في التسلط عليها..

والأحكام الظاهرة والتي تتعلق بالجوارح هي التي قد تعطل، لكن بشرط أن يكون التعطيل لحاجة شرعية، كتعطيل عمر لحد القطع بسبب جوع الناس، فما سرق في ذلك الوقت إلا من خاف الموت جوعا، وتلك ضرورة شرعية..

ثم كذلك بشرط ألا يكون التعطيل مستديما، بل بقدر الحاجة، وهكذا لما انتهت المجاعة رجع الحكم كما كان (1)

فهل الذين يستدلون بفعل عمر في تعطيل الحد يقصدون هذا؟.

الجواب: لا، إنهم يقصدون بمثل هذا الاستدلال، تعطيل النص حقيقة بشكل دائم أبدي، إذا كان يناقض مبادئهم وأهدافهم، سواء كان خبرا أو حكما باطنا أو ظاهرا.

فالخبر الذي يقول: إن المؤمنين في الجنة واليهود والنصارى في النار، هذا معطل عندهم، ولا يمكن أن يعملوا به، ولا أن يعتقدوه، لأنه ينافي مبدأهم في المساواة بين جميع الأديان.

ومع أن الخبر لا يعطل أبدا، وتعطيله تكذيب لله - تعالى -، إلا أنهم يعطلونه، ومع ذلك يستدلون بفعل عمر - رضي الله عنه - بالرغم من بعد ما بينهم وبينه!!.

والحكم الذي يقول:

بوجوب الولاء للمؤمنين، والبراء من الكافرين..

هذا أيضا عندهم نص معطل، مع أن هذه من النصوص المأمور تطبيقها في كل زمان ومكان، ولا تخضع لتغير الحال، إذ هي من الأمور القلبية التي لا سلطة لأحد عليها، لكنها مع ذلك فهي من النصوص التي يجوز تعطيلها عند هؤلاء القوم، والدليل فعل عمر رضي الله عنه!!..

فهذه طريقتهم في لي أعناق النصوص والمواقف والآثار، كل ذلك اجتهادا منهم ومحاولة يائسة للظهور أمام الناس بأنهم على الإسلام، وأن تفسيراتهم للنصوص الشرعية تفسيرات صحيحة قائمة على الاستدلال بفعل الصحابة وسلف الأمة، مع أنهم في ذات الوقت يشنعون على من احتج بفقه السلف.

لكنهم يحتجون بهم حينما يظنون أن لهم الحق في أقوالهم، فهم كما قال الله - تعالى:

{وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} .

لقد استعملوا هذين الطريقين:

-ترويج أقوال الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة.

-وإلغاء تفسير السلف للنصوص الشرعية.

وسيلة لهدم الفكر السلفي، الذي يمثل أهل السنة والجماعة، وهو الفكر الذي يقف بقوة ووضوح أمام كل محاولة للعبث بهذا الدين وتبديله، والسبب:

أن هذا الفكر والعقيدة قائم على:

1ـ تعظيم أقوال السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، وعدم مخالفتهم فيما أجمعوا عليه، واتباع الجمهور منهم..

2ـ وقائم على محاربة الفرق المخالفة لهذا المنهج..

فهدم هذين الأصلين هدم لمنهج أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية المنصورة التي على الحق، وذلك يعني محوها وتلاشيها، لكن فاتهم أن الله - تعالى - قد تكفل ببقاء هذه الفرقة إلى يوم القيامة، كما قال - عليه الصلاة والسلام:

(لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس) .

وكي يكون الأمر ظاهرا بينا، فإن الدين هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح، وما عداه، فهو إما بدعة وأما كفر، فمن أراد أن يعرف الدين الصحيح الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فليتبع منهج أهل السنة والجماعة..

تتمة:

في المرة السابقة تابعنا الحديث عن الهجوم الذي تتعرض لها الشريعة، وفصلنا في الطريقة التي اتبعت في ذلك، وقد تركزت على أمرين:

الأول: الترويج لأقوال الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة...

الثاني: والدعوة إلى إلغاء فقه السلف وتفسيرهم للنصوص الشرعية.

لقد ذكرنا أن الذي تولى كبر ذلك الهجوم هم المستغربون، وتوقفنا عند مسألة وجوب اتباع السلف ومنهج أهل السنة والجماعة، وأن ذلك هو الدين الصحيح، وما عداه فبدعة ضلالة في النار..

جناية بعض المنتسبين إلى الفقه على الشريعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت