فهرس الكتاب
وقال - تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} .
فلا يكفي اتباع الكتاب والسنة، بل لا بد من اتباع فهم الصحابة للكتاب والسنة، والعض على فقههم عض على الدين بالنواجذ، ومخالفتهم هو البدعة والضلالة، وكلها في النار.
والمقصود باتباعهم هنا، أي فيما أجمعوا عليه، فلا تجوز مخالفتهم فيه، فهم لا يجمعون إلا على دين صحيح وعمل متقبل، أما ما اختلفوا فيه، فيؤخذ بقول جمهورهم، وكبارهم كالخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم للتنصيص على فضلهم، وللأمر باتباعهم خاصة، كما مر في قوله:
(عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) .
وقوله - عليه السلام - فيما يرويه حذيفة - رضي الله عنه: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر) .
ثم يأتي بعد الصحابة في وجوب الاتباع التابعون، وهم الذين لقوا الصحابة، ثم تابعوهم، أهل القرون الثلاثة المفضلة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عمران بن حصين - رضي الله عنه:
(خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) .
فالشهادة لهم بالخيرية دال على فضلهم في الإيمان والعمل، ودليل على أنهم أفقه الناس في الدين، وفقههم وفهمهم للشرع مقدم على من بعدهم، وهذا كما قلت آنفا فيما أجمعوا عليه، ويأتي بعده في المرتبة ما كان عليه جمهورهم.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن قول الصحابي في تفسير نصوص الشرع بمنزلة الحديث المسند، وحكمه حكم المرفوع، فإن كان يقصد مجموع الصحابة فلا ريب أنه لم يتعد الصواب، قال ابن القيم:
"قال الحاكم أبو عبد الله في التفسير من كتاب المستدرك: [ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين: حديث مسند] ، وقال في موضع آخر من كتابه: [هو عندنا في حكم المرفوع] ."
وهذا، وإن كان فيه نظر، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله - عز وجل - من كتابه، فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول صلى الله عليه وسلم علما وعملا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل".. إغاثة اللهفان 1/240"
ها قد وضعنا أيدينا على المنهج الصحيح والطريق الأمثل، واستطعنا أن تخرج من كل الإشكالات والمآزق التي احتفت بالطريق، وكادت أن تمنع من الوصول إلى الهدف، لولا أن الله - تعالى -حفظ هذا الدين ومنع عنه تحريف المبطلين، وأوضح صراطه المستقيم، كما روى العرباض بن سارية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(قد تركتكتم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) .
فهذا هو الميزان: اتباع الكتاب والسنة بفقه السلف الصالح، فهذا القيد مهم في المسألة، وبذلك نكون قد اهتدينا إلى الدين الحق المنزل من رب العالمين، مجتنبين الأهواء والبدع، كما اجتنبنا ملل الكفر من قبل، ولا يستتم الاعتقاد الصحيح من دون الأخذ عن السلف والاكتفاء بما كانوا عليه، وآفة كل الفرق المخالفة أنهم خالفوا السلف، واستقلوا بفهم الكتاب والسنة، وذلك سبب ضلالهم.
وبعد هذا نقول لمن زعم من هؤلاء المستغربين أنهم على الكتاب والسنة، وأنهم يؤمنون بما ورد فيهما:
هل تقرون بوجوب الرجوع إلى الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ومن تبعهم في معرفة معاني وأحكام الكتاب والسنة؟..
فإن قالوا: نعم، نقر بذلك؛
نقضوا مذهبهم القائم على عصرنة الإسلام وتحويره بما يتلاءم مع الغرب، لأنهم مهما أرادوا أن يفسروا النصوص بمثل ذلك اصطدموا بالسلف:
فإن أرادوا تعطيل الحكم بما أنزل الله اصطدموا بالسلف الذين يكفرون من عطل وبدل شرع الله - تعالى -.
وإن أرادوا تعطيل الحجاب وبث الاختلاط، اصطدموا بالسلف الذين يخالفونهم في ذلك.
وإن أرادوا إلغاء الولاء والبراء، كذلك لم يجدوا لهم من السلف سلفا.
وإن قالوا: لا، لا نقر بذلك، بل هم رجال ونحن رجال، ولسنا ملزمين بالرجوع إليهم، بل لنا عقول كما لهم عقول، وعصرنا يختلف عن عصرهم، ولسنا ملزمين بفقههم.
قلنا لهم: نقضتم التزامكم بالكتاب والسنة.
فإن الكتاب والسنة يأمران بالرجوع إلى فقه السلف في فهم نصوص الكتاب والسنة، وأنتم بمثل هذا تؤكدون عدم إيمانكم بالكتاب والسنة، وأن دعواكم الإيمان بهما إنما هو ادعاء كاذب، وتلبيس مخادع، لا يقف أمام الحقيقة، بل ينهار في أول امتحان..
إذ كيف تزعمون ذلك، وإذا قلنا لكم الكتاب والسنة يأمران بالرجوع إليهم في فهم نصوص الشرع؛ أعرضتم وامتنعتم من القبول؟!!!..
فما هذا بفعل من يعظم الكتاب والسنة، وأنتم إنما زعمتم الإيمان بهما لحاجة في نفوسكم، لكن الله - تعالى -أبى إلا أن يبين حالكم.
فأنتم بين أمرين:
إما أن تنصاعوا للكتاب والسنة بفقه السلف، وذلك يعني أن تكفروا بما أنتم عليه من مباديء ضالة تغريبية، وتتبرؤوا وتتوبوا منها، لكونها معارضة تامة للشرع.
وإما أن لا تنصاعوا لهما، وتعلنوا أنكم لا تؤمنون بالكتاب ولا بالسنة، وأنكم تعتقدون أن الخير في الإعراض عن الدين، واعتناق مذاهب التغريب.