ويتحدث عن ذلك في تقريره لحكومته عام 1905م، فيقول: (وقد وضعت هذه المعلومات تحت تصرف لجنة ذات كفاية ممتازة يرأسها المفتي الأكبر السابق محمد عبده، بقصد وضع خطة مشابهة تلائم ظروف مصر وحاجاتها، وقد أتمت اللجنة في شهر يونيو السابق ـ والشيخ توفى في الشهر الذي بعده، وهذا له دلالته ـ ووضعت النظم المقترحة تحت تصرف الحكومة... وهذه النظم تذود الطالب ببرامج ثقافية ذات طابع تحرري ولا تحصر الطالب في الدراسات الخاصة) [5] .
ولم يكن الشيخ مقرباً عند الإنكليز الكفرة وفقط، بل"كان بين الطوائف الراقية من المصريين والأجانب محبوباً معظماً معترفاً له بمقام الإمام" [6] .
وأيضاً نال الشيخ احترام الكاثوليك العرب؛ فهذا بشر الخوري صاحب"معجم الموارد"، يقول بعد سلسلة من المدائح:"... والخلاصة أنك آية من آيات الله" [7] .
بهذا تعلم أن محمد عبده نشأ في بيت مشبوه، ورباه شيخ مشبوه - هو جمال الدين"الأفغاني"- وقام الإنجليز بزرعه في أعلى منصب في مصر، وأخلوا بينه وبين الشعوب ليتكلم إليها كيف شاء.
أسس محمد عبده أثناء فترة تواجده في لبنان جمعية سرية مع أحد دعاة التنصير تدعوا إلى الحوار بين الأديان [8] .
دعوة الشيخ محمد عبده:
اشتهر الشيخ محمد عبده بدعوته إلى الإصلاح، والإصلاح الذي كان يهدف إليه الشيخ ثلاثة أنواع؛ إصلاح الدين، وإصلاح اللغة والأدب، وإصلاح السياسة [9] .
"وكل الذين قاموا بالإصلاح في الميادين الثلاثة كانوا من تلاميذه وأصدقائه ممن صاروا على خطاه وتأثروا بطريقته، منهم سعد زغلول، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين وغيرهم" [10] .
والشيخ"أعظم من تجرأ على مفهوم الولاء والبراء ودار الحرب ودار الإسلام من المنتسبين للعلماء، بتعاونه مع الحكومة الإنجليزية الكافرة، ودعوته إلى التعامل مع الإنجليز وغيرهم، بحجة أن التعامل مع الكافر ليس محرماً من كل وجه" [11] .
والشيخ هو صاحب الفتوى"الترنسفالية"، التي أباح فيها التشبه بالخواجات في لبس القبعة [12] .
والشيخ أول من أفتى بإباحة الربا في شكل صناديق التوفير معتمداً ـ كما يرى العقاد ـ على مفهوم الآية من أنه لم يحرم من الربا إلا الأضعاف المضاعفة فقط [13] .
والشيخ كان ظهيراً لقاسم أمين في كتابه"تحرير المرأة"، فعندما أصدر قاسم أمين كتابه"تحرير المرأة"؛ شك كثيرون في كونه كاتبه، لما حواه الكتاب من عرض ومناقشة للأقوال الفقهية والأدلة الشرعية، التي كان مثل قاسم قليل البضاعة منها، ولكنهم لم يشكوا في أن الذي دفعه إلى الفكرة هو أحد رجلين، إما محمد عبده وإما"كرومر".
ويحل لطفي السيد الإشكال في كتابه"قصة حياتي"، إذ يقول: (إن قاسم أمين قرأ عليه وعلى الشيخ محمد عبده فصول كتاب"تحرير المرأة"في جنيف عام 1897م، قبل أن ينشره على الناس) [14] .
وقال ذلك نصا الشيخ محمد إسماعيل المقدم حفظه الله في محاضرة له بعنوان"المؤامرة على المرأة المسلمة"، وعلل ذلك؛ بان الكتاب مليء بالمسائل الفقهية التي لا علم لقاسم أمين بها.
والشيخ نادى بتحريم تعدد الزوجات، عملاً بحديث: (لا ضرر ولا ضرار) ! [15] .
"وجملةً، يمكن أن يقال؛ أن ما من عملٍ من أعمال الخدمة الاجتماعية تم بعد وفاته إلا كان من مشروعاته التي هيأ لها الأذهان ومهد لها الطريق، وبدأ فعلاً بالاستعداد لتنفيذها، ومنها الجامعة المصرية التي كان يعني بها أن تقوم بتعليم العلوم وفقاً للمناهج الحديثة، وتسهم في تجديد الحضارة العربية القديمة" [16] .
ومن المعلوم؛ أن هذه الجامعة كانت مختلطة، وأنشأت فيها معاهد للرقص والفنون الجميلة، وهذه هي الأخرى كانت من بنات أفكار الإمام محمد عبده - كما يخبر العقاد في فصل"الفنون الجميلة"-
وتدبر؛التعامل مع الكفار - قبول الآخر - التشبه بهم، إباحة الربا، تحرير المرأة، تحريم تعدد الزوجات، أليست هي ذات المطالب القائمة اليوم؟!
لمن كانت ثمار دعوته؟
بعد هذا العرض لأفكار الشيخ ودعوته، يمكننا القول؛ أن الذي جنى ثمار دعوة الشيخ هم الإنجليز، وذلك على مستويين.
الأول: على مستوى عوام الناس، حيث اتخذت الشعوب أفكار الشيخ وفتاويه مبرراً نفسياً لتقبلها للتغير العلماني المتدرج في الدول العربية.
وقد صور محمد المويلحي في عمله الرائع حديث"عيسى بن هشام"شيئا من ذلك على لسان أبطال الرواية، إذ يسأل أحدهم متعجبا: (كيف صاغ للمصريين أن يأخذوا بقانون نابليون المخالف للشريعة الإسلامية؟) ، فيجيب الآخر: (بأن المفتي أقسم بالله أنه موافق للشريعة) .
الثاني: كانت أفكار الشيخ محمد عبده ـ كما يقول سفر الحوالي ـ حلقة وصل بين العلمانية الأوروبية والعالم الإسلامي، ومن ثم باركها المخطط الصهيوني الصليبي العالمي واتخذها جسراً عبر عليها إلى علمانية التعليم والتوجيه في العالم الإسلامي وتنحية الدين عن الحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى إبطال العمل بالشريعة الإسلامية والتحاكم إلى القوانين الجاهلية المستوردة، واستوراد النظريات الاجتماعية الغربية وهو ما تم جميعه تحت ستار الإصلاح أيضاً [17] .