نعم كان محمد عبده مخلصا وجادا فيما يفعل، وأراد محمد عبده الوقوف في وجهة الجمود العقلي الموجود في هذه الأيام، وأن يجاري العقل الأوروبي - صاحب الاختراعات والاكتشافات العلمية يومها - فبالغ في إعمال العقل، وصار تحت ردود الأفعال، فأحدث انحرافا جديدا [18] .
ونعم، أراد محمد عبده أن يقيم سدا في وجه الاستعمار الغربي والغزو الفكري يومها، فأقام قنطرة عبر عليها العدو إلى ثوابتنا الإسلامية، فكان ما كان - كما يقول الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم -
ومن يقرأ عن حياة محمد عبده ويأخذ شخصيته من كل جوانبها، يجد أن الشيخ كان شغله الشاغل؛ هو تحسين صورة الإسلام في أعين الغربيين، والنهوض بالأمة، نهضة مادية كالتي كانت في أوروبا يومها، وربما هذا هو القاسم المشترك بينه وبين من يحاولون إحياء دعوته اليوم.
من المهم جدا؛ تحديد المنطلق، ومن المهم جدا؛ وضوح الهدف بدقة.
وثلة غير قليلة من مثقفي اليوم، تريد تحسين صورة الإسلام أمام الغرب، وتريد الرقي المادي بالأمة الإسلامية، وتجد أقلامهم تأن من كل فعل"يشوه"صورة الإسلام أمام الغرب، وهم يصرحون بهذا في أكثر من مقام.
هذا هو هدفهم الذي يظهر لي، وهذا هو منطلقهم الذي يخرجون منهم.
والذي أفهمه؛ هو أن رسالتنا هي تعبيد الناس لله، وليس الرقي المادي بحياتهم، وأن الخطاب الأخروي لا ينبغي أن يغيب عن البال، فالشرع جاء أساسا لإنقاذ الناس من نار جهنم، {وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} ، وإصلاح الدنيا يأتي تبعا، لا أصلا؛ {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} .
والذي أفهمه أنه مر مائة عام على وفاة محمد عبده، ولم نجن من مشروعه الإصلاحي إلا الشوك - حرية المرأة، والجامعات المختلطة، والسخرية من التيارات السلفية الملتزمة بالهدي النبوي... الخ -
نعم لم نجن من مشروع محمد عبده إلا الشوك، والعجب كل العجب أن يأتينا آخر يريد منا اليوم بذر الشوك ثانية للأجيال القادمة!
محمد جلال القصاص
18 /5 /1426 هـ
[1] راجع إن شئت العلمانية للدكتور سفر الحوالي: ص575.
[2] ومن أراد المزيد فليقرأ"خاطرات جمال الدين الأفغاني"، اختيار عبد العزيز سيد الأهل: ص: 14، والاتجاهات الفكرية والسياسية والإجتماعية، علي الحوافظة: 102، 181 - 182، وكان للأفغاني نشاط ماسوني، وكان يشرب"الكونياك"- وهو نوع من الخمر - كما ذكر ذلك محمد رشيد رضا في"تاريخ الأستاذ": ج1/ص49.
[3] رسالة التوحيد، للشيخ محمد عبده، تقديم حسين يوسف الغزال، ص: 15، 20.
[4] نقلا عن العلمانية، للشيخ الدكتور سفر الحوالي، ص: 575.
[5] المصدر السابق، ص: 576 - 577.
[6] رسالة التوحيد، محمد عبده، تقديم محمد أبو رية: ص8.
[7] المصدر السابق: ص10.
[8] ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتاب"منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير"، الدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، ص124 - 169.
[9] رسالة التوحيد، تقديم حسين الغزال: ص18، قلت: وهذا يشي بانفصال الدين عن السياسة في رأس الرجل.
[10] سلسلة أعلام العرب: ص20.
[11] العلمانية: ص578.
[12] أعلام العرب: ص176.
[13] أعلام العرب: ص176.
[14] أحمد لطفي السيد: ص132، وجاء مثل هذا في كتاب قاسم أمين: ص158 - 159.
[15] أورد هذا الكلام خالد محمد خالد في كتابه"الديمقراطية أبداً": ص164 - 165.
[16] العقاد، أعلام العرب: ص176.
[17] العلمانية: ص579.
[18] راجع - إن شئت - مقدمة كتاب مقومات التصور القرآني، للأستاذ سيد قطب.