تبين أنه يمكنك ذلك إذا عبثت بالنصوص الشرعية وأخضعتها لعقلك وهواك، ودعوت إلى الاختلاط من طرف خفي، وأبحت الربا إن كان بنسب ضئيلة وأبحت المطعومات والمشروبات المحرمة ( ) إذا كانت بنسبة (01/0) ودعوت إلى وحدة الأديان، وأمرت بدخول البرلمانات، وعلى رأس الداخلين المرأة وأوجبت احترام دساتير الغرب والعمل بها وناديت بالحرية، والمساواة بين أفراد المجتمع مسلمهم وكافرهم، ومنعت من تكفير اليهود والنصارى، وأشدت بما عند الغرب من معتقدات وأخلاق، وقلت إن الإسلام لا يرفض عقائدهم، بل يرفض عاداتهم فحسب وزعمت أن العداوة بين المسلمين وبين اليهود والنصارى إنما هي اقتصادية لا عقدية وقلت أنمحمدا صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ عنه إلا في العبادات، وأما أمور السياسة والحرب فلا يؤخذ بما قرر وإنما نجتهد مثلما اجتهد، وحرمت الجهاد وقلت لا يحل إشكالاً في الحقيقة وإنما يقهر ويقود إلى الأزمات ويسد منافذ العقل ويدفع الأمم إلى الانحدار والانحطاط، ووصفت عصر السلف بأنه من العصور المظلمة ( ) ، وحرصت على تجريد الناس من دينهم ومعتقدهم ووصفت الدين بالرجعية والتخلف وقمت بالتصدي لسلف الأمة العظام بالنقد والتنقص وأثنيت على العلمانيين وجعلتهم من أصحاب الفكر المستنير، عند ذلك قل ما شئت فأنت المفكر الإسلامي الشهير.
وأما كيف تكون تلميذاً باراً مثل العلاّمة منصور؟
فما عليك إلا أن تتلصص على كتب السالف ذكرهم وتسرق منها ومن اطروحاتهم، وتضيف إليها بعضاً من هرطقتك وسفسطتك وجزءً من تلاعب الشيطان بك أثناء منامك ويقظتك، مغلفاً ذلك بدفاعك عن المارقين من الإسلام وأنهم من أخيار الأمة ثم توج ذلك بأن سلف الأمة أصحاب عيون عوراء وجموديون ألقموا ولقنوا ما يقولون ويكتبون عن شيوخهم، عند ذلك تصبح الابن البار للعصرانيين والعلمانيين، بل ربما فقتهم دناءة وخسة.
لماذا قسوة الألفاظ:
قد يعيب علّي البعض شدة الألفاظ وقسوتها التي مضت والتي ستأتي، وأن هذا ليس من الإسلام في شيء فأقول مستعيناً بالله:
أ - لقد أمر الرسو صلى الله عليه وسلم أن نسف باللفظ إسفافاً ما بعده إسفاف لمن تعزى بعزاء الجاهلية وأن نقول عظ على فرج أبيك وأن لا نستعمل الكناية في ذلك بل اللهجة الدارجة ( ) ، وهذا فيمن أخطأ خطاءً ميسوراً في نظر كثير من الناس، فما بالك بأخطاء الاعتقاد والكفر والزندقة.
ومن ذلك ما روي عن أبي بكر قوله لعورة بن مسعود الثقفي (امصص بظر اللات) وذلك في الحديبية وما روى لنا مسلم رحمه الله قول كعب بن عجرة عندما رأى عبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعداً قال: (انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعداً..) هذا في مسألة الخطبة.
وروى لنا مسلمٌ أيضاً قول عمارة بن رويبة لما رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول ا صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه المسبحة.
وفي البخاري مقاطعة عبد الله بن مغفل لابن أخيه عندما لم ينتهي عن الخذف قال: والله لا كلمتك بعدها أبداً.
وعبد الله بن الزبير عندما قال لحبر الأمة ابن عباس إيماءً وهو تحت أعواد منبره قال: إن أقواماً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم، لا يزالون يفتون بالمتعة، فرد عليه ابن عباس قائلاً إنك لجلف جاهل لقد فُعِلَت في عهد من هو خير منك عهد إمام المتقين.
هذا بالنسبة للصحابة رضى الله عنهم، وأما من بعدهم فإليك، أقوالهم:
فالإمام أحمد عندما نُقِلَ له قولٌ عن أبي ثور لا يتفق مع الدليل قال: أبو ثور كاسمه ونحواً من ذلك قال عن أبي حنيفة ما قوله عندي والبعرة إلا سواء، وقال عن الكرابيسي كذب هتكه الله الخبيث وذلك في مسألة لفظي بالقرآن مخلوق، وفي كتاب المجروحين لابن حبان كلام سفيان رحمه الله على أبي حنيفة ولا يخفى علينا قول أبي إسماعيل الهروي عن الاشاعرة وأنهم مخانيث المعتزلة وغير ذلك كثير مما يطول المقام بذكره.
فهل نحن أفضل من الرسو صلى الله عليه وسلم والصحابة، والسلف، وأعلم منهم وأحكم أم أن العلامة منصور أشرف قدراً ممن مضى ذكرهم، هيهات هيهات إلا أن نساوي الثرى بالثريا.
والسؤال ما هو الحكم الذي يفهم من هذه النصوص المتقدمة، سوى جواز إطلاقها، أو أفضليته، أو تحريمه.
فإن كان الجواب بالأول والثاني، أمكن حمل النصوص الواردة على ذلك، وإن كان الجواب بالتحريم، فهنا اعتراض، حيث يلزم تأثيم الرسو صلى الله عليه وسلم وسلف الأمة من الصحابة وغيرهم وإن قال قائل خلاف الأولى، قلنا إذاً من صدرت عنهم ومنهم صلى الله عليه وسلم وأئمة الزهد والورع فعلوا خلاف الأولى، فإن قيل هي مسألة اجتهادية لا تثريب فيها على المخالف، عند ذلك لي أن أقول هذا المطلوب.