فهرس الكتاب

الصفحة 14940 من 27364

لقد كتب كثير من العلماء والباحثين عن المدرسة العصرانية الحديثة التي نشأت في ديار المسلمين نتيجة التقائهم بالغرب المتقدم مادياً، وأجادوا في بيان انحرافها عن الإسلام بلا مزيد عليه (3) ، ولهذا فإنني لن آتي بجديد في هذا الموضوع، ولكني أردت من خلال هذا البحث المختصر التركيز على انحرافٍ واحدٍ من انحرافات تلك المدرسة -كما سبق- لعله يكون أخطرها، وتوسعت فيه بعض التوسع، ونقلت كلمات مهمة تتعلق به.

نشأة المدرسة العصرانية الحديثة: الأفغاني ومحمد عبده:

تعود نشأة المدرسة العصرانية الحديثة في البلاد العربية إلى جهود رجلين اجتمعا زمناً بمصر؛ هما جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده (4) .

جمال الدين الافغاني:

(1) …وقد رددت عليه، وكتبت نقدًا لكتاب (أبو شقة) تجده في موقع صيد الفوائد على شبكة الأنترنت. ولم أسمِّ هذا الفاضل في ردي؛ لعله يعيد النظر فيما كتب. وفقه الله وسدد خطاه.

(2) … ثم رأيت إحدى العلمانيات لدينا تردده في مقالة لها بإحدى الصحف ! وسيأتيك -إن شاء الله- توافق الطائفتين: (العصرانية) و (العلمانية) .

(3) …انظر على سبيل المثال:"الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"و"الإسلام والحضارة الغربية"كلاهما للدكتور محمد محمد حسين رحمه الله، وهما من أجود ما كتب في نقد هذه الطائفة."دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام"لمصطفى غزال."منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير"للدكتور فهد الرومي."الفكر الإسلامي المعاصر: دراسة وتقويم"للأستاذ غازي التوبة."دراسات في السيرة"لمحمد سرور."اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر في مصر"للدكتور حمد بن صادق الجمال."مفهوم تجديد الدين"لبسطامي سعيد.

(4) …ترجمتهما مشهورة منشورة. أما الأفغاني فإن ترجمة محمد عبده له المنشورة في مقدمة رسالته"الرد على الدهريين"ثم نشرها رشيد رضا في تاريخ أستاذه كانت مرجعاً لمن بعده من الباحثين، وأصبحت -كما يقول الدكتور علي شلش-:"عمدة السير" (الأفغاني بين دارسيه، ص28) . وأما محمد عبده، فإن لتلميذه رشيد رضا تاريخاً شاملاً عن حياته يقع في ثلاثة مجلدات بعنوان"تاريخ الأستاذ الإمام"كان عمدة لمن بعده، مع ملاحظة ما فيه من غلو في المديح ودفاع عن شيخه بالباطل.

أما الأفغاني فقد كان غامض الأمر محيرًا للباحثين في حياته وبعد مماته، مما جعلهم يضطربون في مكان نشأته ومذهبه وأهدافه (1) . إلا أنه بعد نشر كثير من الوثائق والدراسات حوله لم يعد هناك مجالٌ للشك في كونه شيعياً إيرانياً (2) أخفى ذلك ترويجاً لأفكاره بين أهل السنة الذين لن يجد منهم أي احتفاء لو كشف تلك الحقيقة بينهم .

ولكن الخلاف بعد تقرير أمر شيعيته وإيرانيته سيكون حول حقيقة أفكاره، وماذا كان يريد؟

هناك وجهتا نظر للباحثين كلاهما تمتاز بالقوة (3) :

1-وجهة النظر الأولى: أن الأفغاني كان يريد إعادة الدولة الشيعية إلى بلاد مصر، ولهذا اختار المقام فيها على غيرها من البلاد الأخرى. وأنه لأجل هذا كان يخفي شيعيته ويدعي الانتساب لآل البيت؛ ليتمكن من تكوين عصبة حوله تعينه على هذا الأمر إذا ما حانت ساعة الصفر -كما يقال-. وأنه كان لا يفضي بهذا الأمر إلا لخاصته؛ كمحمد عبده. وهذه ليست بغريبة على الشيعة الذين لا زالت قلوبهم تهفو إلى هذه البلاد منذ أن طردوا منها، فقد قاموا بعدة تجارب لأجل هذا الأمر؛ من أهمها تجربة السيد ! البدوي الذي أرسله أساطين الرفض في العراق إلى بلاد مصر، فكانت غايته -كما يقول الأستاذ محمد فهمي عبد اللطيف-:"أن يجمع عصبية في الديار المصرية للعلويين (4) ، كتلك العصبيات التي كان يجمعها غيره من الصوفية في أقطار العالم الإسلامي حتى تكون عوناً لهم إذا ما تهيأت الفرصة، ونهضوا لطلب الملك" (5)

ومما يشهد لهذا: الغموض الذي أحاط الأفغاني به نفسه، حيث لم يوضح (بصراحة) حقيقة أفكاره؛ إنما هي أمور عامة يشترك معه فيها غيره.

ومما يشهد لهذا -أيضاً- أن تلميذه محمد عبده كان كثيراً ما يتمثل بهذه الأبيات (6) :

ذرني وأشياء في نفسي مخبأة ... لألبسن لها درعاً وجلبابا

والله لو ظفرت نفسي بطلبتها ... ما كنت عن ضرب أعناق الورى آبا

حتى أطهرهذاالكون من دنس ... وأوجب الحق للسادات إيجابا

وأملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت ... ظلماً وأفتح للخيرات أبوابا

فما هي هذه"الحاجات المخبأة في نفسه"؟! ومن هم"السادات"الذين سيوجب لهم الحق، ويضرب لأجلهم أعناق الناس؟!

وجهة النظر الثانية: تقول بأن الأفغاني ما كان يحفل بالمذاهب كلها، سنيها وشيعيها، بل ما كان يحفل بالأديان نفسها! فالجميع -عنده- شيء واحد، فكانت دعوته موجهة نحو إيقاظ (الشرق) المتخلف -دون نظر إلى أديانه- لمواجهة أطماع (الغرب) المتحضر مادياً، والتحرر من سلطانه وضغوطه، والتخلص كذلك من حكم المستبدين .

فما كان الإسلام عنده إلا ديناً من ضمن الأديان الكثيرة التي يدين بها أبناء الشرق. ويدلل هؤلاء على وجهة نظرهم بعدة أدلة:

(1) …لمعرفة ما قيل حوله: انظر:"جمال الدين الأفغاني بين دارسيه"للدكتور علي شلش. وهو من أفضل من كتب عن الأفغاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت