فهرس الكتاب
(3) … ذكر محمد عبده في مذكراته عن الثورة العرابية أمرًاً خطيرًا، وهو أن قنصل فرنسا"أرسل إلى أحمد عرابي وإخوانه يقول لهم: إنه يسره ما يراه من صلابتهم في عزيمتهم، واشتدادهم في المطالبة بالعدل فيهم، فعليهم أن يثبتوا في مطالبهم ولا يُضعفهم ما يُهددون به …"!! (انظر: الأعمال الكاملة لمحمد عبده 1/528 و 531) . وفي هذا دليل على أن الغرب النصراني يسره ويسعده ظهور الأفكار (الثورية) في المجتمع المسلم؛ لأنها تضعفه، وتخالف بين كلمة أهله، وتعطي الغرب مجالاً للتدخل في شئونه. وقارن هذا -وفقك الله- بدعم الغرب للثوريين والمنشقين الإسلاميين في زماننا هذا؛ لتعلم أن الخطة الصليبية لم تتغير، وأن قومي يُلدغون من الجحر الواحد مرات ومرات !
…تنبيه: ذكر بعض الباحثين أن"رياض باشا"كان يهودياً ثم أسلم، ومعلوم أن هذا الرياض هو الذي استضاف الأفغاني في مصر. فهل كان أمر قدومه قد دُبِّر بليل، لنشر الأفكار الثورية تمهيدًا للاحتلال ؟! العلم عند الله. وأنا لا أستبعد هذا؛ لأن مكر القوم تكاد تزول منه الجبال. انظر هذا بتوسع في بحثي القادم -إن شاء الله- (كيف احتل الإنجليز مصر؟) .
…وانظر لبيان يهودية رياض باشا:"تطور الصحافة"لأنور الجندي، ص34، نقلاً عن أديب إسحاق تلميذ الأفغاني. و"دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام"، ص157.
تنبيه آخر: نشرت رابطة أهل السنة في إيران وثيقة مهمة عن الخطة الجديدة للروافض لنشر مذهبهم ، جاء فيها مما يتعلق بموضوعنا ؛ قول الخطة:"يجب بطريقه سريه وغير مباشره استثارة علماء السنة والوهابية ضد الفساد الاجتماعي والأعمال المخالفة للإسلام الموجودة بكثرة في تلك البلاد وذلك عبر توزيع منشورات انتقادية..الخ"انظر: (موقع البرهان على شبكة الأنترنت) .
فعلم بهذا من المستفيد الحقيقي من دعوات ( التهييج ) . ألاليت قومي يعلمون .
(4) …انظر تفاصيل ذلك كله في الكتب التي تتحدث عن الثورة العرابية؛ كـ"الثورة العرابية"لصلاح عيسى، و"الثورة العرابية في ضوء الوثائق المصرية"للدكتور عبد المنعم الجميعي، و"مذكرات الزعيم أحمد عرابي"لمحمد فريد السيد حجاج، و"أحمد عرابي الزعيم المفترى عليه"! لمحمود الخفيف. والكتب التي تتحدث عن تاريخ مصر في العصر الحديث.
لقد أصيب محمد عبده بذهول وصدمة شديدة بعد فشل حركة عرابي وقمعها وتمزيقها، مما جعله -وقد توحد وتفرد في السجن- يعيد النظر في هذا المسلك (الثوري) الخاطئ الذي سار فيه فكانت نهايته موجعة عليه وعلى بلاده. ولكن عبده بدلاً من أن ينتقل من (الثورية) إلى الاعتدال والطريق الوسط القائم على العلم الشرعي ونشره بين الناس وتربيتهم عليه، مع الصبر على جور الحاكم ومناصحته إلى أن يستريح بر أو يستراح من فاجر، بدلاً من هذا ارتد إلى الطرف الآخر المقابل للفكر (الثوري) وهو الاستسلام للواقع والتبشير بالفكر (العصراني) الذي يُطَوع الإسلام وأحكامه بما يوافق العصر، ويجعل ما يسمى"بالتعايش السلمي" (1) مع الكفار هدفاً له، ورأى أن علاج مشاكل المسلمين وضعفهم سيكون في تبني مثل هذا الفكر، إضافة إلى تضخيمه لدور العقل على حساب النصوص الشرعية (2) ؛ فانتقل من النقيض إلى النقيض، ومن مفسدة إلى أخرى أشد منها -كما سيأتي-.
ولهذا: فقد أصبحت مهمة محمد عبده بعد أن عاد من المنفى -كما يقول الدكتور محمد محمد حسين-:"التقريب بين الإسلام وبين الحضارة الغربية، واتخذ اتجاهه هذا أشكالاً مختلفة؛ فظهر أحياناً في صورة مقالات أو مشاريع أو برامج تدعو إلى إدخال العلوم العصرية في الجامع الأزهر. وظهر تارة أخرى في صورة تفسير لنصوص الدين من قرآن أو حديث يخالف ما جرى عليه السلف في تفسيرها، ليقرب بها أقصى ما تحتمله، بل إلى أكثر مما تحتمله في بعض الأحيان من قُرب لقيم الغرب وتفكيره؛ لكي يصل آخر الأمر إلى أن الإسلام يساير حضارة الغرب، ويتفق مع أساليب تفكيره ومذاهبه" (3)
جهود الكفار في نشأة العصرانية وصناعتها:
لقد أذن الإنجليز بعودة محمد عبده من منفاه إلى مصر بعد أن تأكدوا من هجره لأفكاره الثورية السابقة، وتبنيه (الفكر العصراني) المتعاون مع الإنجليز والمهادن لهم. يقول الأستاذ غازي التوبة:"كان الاحتلال الإنجليزي عاملاً أساسياً من عوامل عودة محمد عبده إلى مصر، وقد صرح اللورد كرومر بذلك في كتابه (مصر الحديثة) فقال:"إن العفو صدر عن محمد عبده بسبب الضغط البريطاني.." (4) "
لقد كان الإنجليز رغم احتلالهم لمصر يعلمون أن المجتمع المصري لن يقبل بهم وبأفكارهم بسهولة، بل سيظل يجاهدهم ويعمل على الخلاص منهم؛ لأنهم في نظره (كفار) نصارى محتلون لبلاده. فقد كانت الصفوف وقت احتلال الإنجليز لمصر متمايزة: الشعب المصري المسلم ومن خلفه شيوخ الأزهر من جهة، والمحتل الكافر من جهة أخرى.
وهذا التمايز كان يضيق به الإنجليز، ويعلمون أنه يحول بينهم وبين تنفيذ خططهم في (تغريب) البلاد و (علمنتها) وجعلها تتقبل فكرة أن تكون مجرد ولاية تابعة للإمبراطورية البريطانية (5) .